المستجدات

الاثنين، 28 أغسطس 2017

موقع الدائرة العسرية والامنية بــ م.ت.ف

ناجي العلي.. ريشة الثورة التي ما زالت ترسم

وفا- قبل ثلاثين عاما، أصدرت عائلة الشهيد ناجي العلي بيانا في لندن إلى الجماهير العربية جاء فيه: لقد ارتكبوا الجريمة الكبرى، وهل هناك في هذا العقد أكبر من جريمة اغتيال رسام.

ثلاثون عاما مرت على إطلاق الرصاص من مسدس كاتم للصوت على رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، في لندن، الذي عاش حياته مهددا، دون أن يمنعه ذلك من التهديد والتصعيد والوقوف بوجه الظلم والفساد دون رهبة أو تراجع، فهو القائل: كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي.. أنا أعرف خطا أحمر واحدا، أنه ليس من حق أكبر رأس أن يوقع وثيقة اعتراف واستسلام لإسرائيل.

بعد ثلاثة عقود على الجريمة، أين متحف الفنان الشهيد ناجي العلي في فلسطين؟ مكتبة أو ندوة تحمل اسم ناجي العلي؟ مدرسة، مساق جامعي، حصص مدرسية في ذكرى استشهاده، فعالية سنوية تليق بحياته وفنه وخطورته وجنونه واحترافه واستشهاده، فكرة تليق باسمه؟

للأسف كل ذلك لا يوجد حتى الآن، وربما لن يوجد في المستقبل، لا سبب إلا الإهمال بحق رموزنا الإبداعية والثقافية، وتذكرهم في اقتباسات صغيرة أو تناقل مقالات كتبها الآخرون ورسومات اشتهر بها ناجي العلي، ومعظم ذلك يجري عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مناسبات معينة وظروف طارئة، وسرعان ما يتلاشى المشهد بعد يوم أو يومين.

ناجي العلي، وأسماء أخرى اغتيلت بسبب إبداعها وأفكارها ومبادئها، كغسان كنفاني وكمال ناصر وماجد أبو شرار وغيرهم.. بحاجة منا إلى تذكرهم بعمق، إلى جمع أشلائهم التي تناثرت في لندن وبيروت وروما وغيرها من عواصم العالم، ووضعهم في المكانة التي تليق بأسمائهم، وإنجازاتهم التي حولتهم إلى مبدعين عالميين.

من يكتشف الشهداء غير الشهداء، أمثالهم؟ يمشون ذات الطريق في الحياة، يختارون المبادئ نفسها، وتتشابه طرق إطلاق النار عليهم، ليصبحوا شهداء، خالدين.

في العام 1962 اكتشف الشهيد غسان كنفاني، الأديب والقاص والروائي والصحفي والسياسي العنيد، الشهيد ناجي العلي، الرسام والكاتب والصحفي، فكانا ثنائيا لم يرُق للاحتلال بقائهما على قيد الحياة، بفعل أثرهما الجماهيري الواسع، لكن الاحتلال لم يمنع روايات وقصص كنفاني وريشة العلي من البقاء إلى اليوم، وإلى الأبد.

كيف اغتيل ناجي العلي؟
عند الساعة 5:13 بتوقيت غرينتش، يوم الأربعاء 22 يوليو/ تموز 1987، أوقف العلي سيارته على رصيف الجانب الأيمن لشارع ايفز جنوب غرب لندن، حيث مقر جريدة القبس الدولية. ترجّل منها بهدوء بعد أن جمع بعض الأوراق التي تحوي آخر رسومه الكاريكاتيرية، وتأبطها، ثم سار على مهل في اتجاه مكتب الصحيفة المملوكة لمحمد جاسم الصقر الصحفي والبرلماني الكويتي المعروف. لم يكن ناجي يعلم أن قاتلا يترصده، ورغم التهديدات التي تفوق المائة حسب قوله، والتي كانت تنذره بالعقاب على رسوماته، وتلقيه معلومات وافية بأن حياته في خطر نظرا لأن الموساد الإسرائيلي قد جعله هدفا، إلا أن ناجي العلي لم يتخذ لنفسه أية إجراءات للحماية، لإيمانه القدري وفقا لمقولة: "الحذر لا يمنع القدر" لذلك كان اقتناصه سهلا.

وما أن اقترب ناجي العلي من مخزن "بيتر جونز"، القريب من نقطة الاستهداف حتى اقترب منه القاتل الذي ارتدى سترة من الجينز والذي وصفه الشهود بأنه ذو شعر اسود أشعث وكثيف، وعندما سار في موازاته أخرج مسدسه وأطلق الرصاص باتجاه رأس ناجي العلي، ثم لاذ بالفرار.

وقع ناجي على الأرض وبيده اليمنى مفاتيح سيارته، ورسوم يومه تحت ذراعه الأيسر، وكان أول الواصلين إليه أندريه مولر (27 عاما) من حي بوتني والذي كان يعمل في مخزن "بيتر جونز" القريب من مكان الاغتيال، حاول مولر إجراء الإسعافات الأولية بعدما شعر أن نبض ناجي العلي ما زال يشير إلى أنه على قيد الحياة، وبعد بضع دقائق وصلت الشرطة وتم استدعاء سيارة إسعاف على وجه السرعة.

نقل ناجي إلى مستشفى "القديس ستيفن" وهو خاضع لجهاز التنفس الاصطناعي ثم جرى تحويله إلى مستشفى "الصليب تشارنج" وأدخل إلى قسم جراحة الأعصاب، ثم أعيد مرة أخرى إلى مستشفى القديس ستيفن.

ظل ناجي العلي يصارع الموت حتى يوم السبت 29-8-1987، وانتقلت روحه إلى بارئها في تمام الساعة الثانية فجرا، ودفن في مقبرة "بروك وود" الإسلامية في لندن، وحمل قبره رقم (230190).

وأشارت التحقيقات إلى أن المدعو بشارة سمارة وهو من مواليد عام 1964 من قرية مجل شمس في الجولان المحتل، هو قاتل الشهيد ناجي العلي بأمر من الموساد الإسرائيلي، وذلك بمساعدة المدعو إسماعيل صوان وهو من قرية السواحرة الشرقية في القدس، وهو أيضا مرتبط بالموساد الإسرائيلي.

حياته المهنية في الصحافة
في العام 1963 سافر ناجي العلي للعمل في مجلة الطليعة الكويتية في الكويت، وبدأ بنشر رسوماته الكاريكاتيرية على صفحاتها، وظل ناجي مواظبا على العمل في المجلة حتى العام 1968م، وهو العام الذي تلا تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش في (11/12/1967) وقد شهدت الكويت عام 1968 موجة من الأحداث السياسية الساخنة قادتها تحركات المعارضة وأقدمت الحكومة خلالها على ترحيل العديد من العرب العاملين في الصحف والمجلات الكويتية، إلا أن ناجي العلي غادر الكويت طوعا، خشية أن تقوم الحكومة الكويتية بتسفيره فلا يتمكن من العودة، وعندما عاد إلى لبنان تزوج من وداد نصر، وبعد أن هدأت التطورات السياسية في الكويت عاد إليها ناجي، ولكن بصحبة زوجته هذه المرة، والشيء المميز أثناء عودة ناجي العلي من الكويت إلى لبنان أنه تعرف على العديد من عناصر الجناح العسكري لحركة فتح (قوات العاصفة)، واطّلع على مجموع العمليات التي نفذتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، فألهبت هذه العمليات مشاعره الوطنية وتميزت رسوماته في تلك المرحلة بالمناداة للكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لاستعادة الأرض، وما زاد من عنفوان المشاعر الوطنية لديه، الانتصار في معركة الكرامة.

بعد عودة ناجي إلى الكويت، سكن في حي الفروانية وهو من الأحياء الفقيرة، وفي تلك المرحلة نضجت مداركه السياسية لدرجة أصبح فيها متحدثا صلبا في الدفاع عن القضية الفلسطينية بفضل إعجابه بالمصلح والمفكر المصري خالد محمد خالد الأستاذ لمنهج تاريخ الفكر الاقتصادي في الجامعة اللبنانية، وكان معارضا لموالاة الرئيس كميل شمعون للغرب، ومن كبار المؤيدين للرئيس جمال عبد الناصر وللثورة الفلسطينية، كما توثقت علاقات ناجي مع الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي والصحفي حنا مقبل والروائي رشاد أبو شاور، وتحولت رسوماته إلى تأييد صريح للرئيس جمال عبد الناصر، مستنهضا الأمة العربية لإزالة آثار هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة عام 1967.

وبعد أن أوقفت الحكومة الكويتية إصدار مجلة الطليعة، عمل ناجي العلي في صحيفة السياسة الكويتية حتى عام 1974 حيث عاد إلى لبنان ليعمل في صحيفة السفير، ثم عاد مرة ثانية ليعمل في صحيفة السياسة الكويتية حتى عام 1978،  ثم رجع إلى لبنان ليعمل مرة أخرى في صحيفة السفير حتى العام 1983، عمل بعدها في القبس الكويتية والقبس الدولية.

مولده ونشأته:
ولد ناجي سليم حسين العلي في العام 1938م في قرية الشجرة الواقعة بين الناصرة وطبريا في الجليل الشمالي من فلسطين، وبسبب إرهاب العصابات الصهيونية اضطر ناجي للنزوح مع أسرته عام 1948 إلى مخيم عين الحلوة جنوب صيدا في لبنان، حيث تكفلت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" بنصب الخيام للإيواء، وبنت لسكان المخيم من اللاجئين دورات مياه للنساء والرجال في الهواء الطلق مستورة بألواح من الصفيح، وبدأت تزودهم بالطحين وبعض المواد الغذائية بعد أن صرفت لهم بطاقات المؤن.

في واحدة من الخيام، كان ناجي ووالده ووالدته وإخوته الثلاثة وأخته الوحيدة ينامون على حصيرة حملتها أمه معها في رحلة الهجرة عن القرية، كما حملت "بريموس" يعمل على الكاز وبعض الأغطية، وقد جمع والد ناجي العلي بعضا من صناديق الخشب ووضعها عند بوابة الخيمة وعرض عليها بعض المعلبات التي كانت توزعها الأونروا للبيع، ثم تطور الحال حيث جلب السكر والشاي وأنواعا من الخضار لتنمو بها تجارته، إلى أن أضاف إليها علب السجائر فيما بعد وأصبح يكسب منها قوت أسرته.


يقول فؤاد معمر كتابه "الشهيد ناجي العلي": كان فن الرسم بالكاريكاتير الذي أتقنه وأبدع فيه ناجي العلي، إحدى الوسائل النضالية التي أنجبها الوعي الفلسطيني إلى جانب العديد من الإبداعات الأخرى، مثل الغناء الوطني والتمثيل المسرحي والشعر والقصة وفن استخدام الوسائل الإعلامية والصحافية، وما تزال الذاكرة الفلسطينية تختزن عملية اغتيال الموساد الإسرائيلي للقائد والأديب المبدع والقاص اللامع غسان كنفاني، الذي دفع حياته ثمنا لما يكتب ويبدع في القصة والصحافة، وكذلك محاولات اغتيال أنيس الصايغ مدير مركز الأبحاث الفلسطيني، وبسام أبو شريف المسؤول الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفيما بعد المستشار السياسي للرئيس ياسر عرفات، كما تختزن العديد من عمليات الاغتيال للأدباء والشعراء والكتاب الفلسطينيين الذين ستبقى ذكراهم تشحن الإرادة الفلسطينية كي تظل شعلة النضال موقدة من جيل إلى جيل.

اشترك في القائمة البريدية للموقع ليصلك كل ماهو جديد :
التالي
« Prev Post
السابق
Next Post »