دولة المؤسسات


دولة المؤسسات هي عكس الدولة التي تحكمها الميليشيات والعسكر والعشائر والقبائل والطوائف. وهي عكس دولة الفرد الواحد الاحد البطل المغوار. دولة المؤسسات هي دولة الديمقراطية ذات المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية الحكومية، التي يعمل فيها مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات العمل الأهلي والجمعيات والنقابات والاتحادات والمؤسسات الأكاديمية والمهنية والبحثية والعلمية. دولة تقوم كل مؤسسة بعملها المهني بناء على دستور الدولة وقوانينها التي تحكم الحياة العامة وتتيح الحريات للمجتمع ليعمل وينتج ويبدع. وكل مؤسسة لها نظامها التي يحكمها، ولها ضوابطها كما أن هناك من يحاسبها. حتى رئيس الدولة يخضع للمحاسبة، ولا يوجد من هو فوق القانون، بل الجميع متساوي أمام القانون.
ودولة المؤسسات هي دولة ديمقراطية علمانية لجميع مواطنيها بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العرق أو الدين. وأهم ما يميزها فصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والحكومية. فالجهاز التشريعي يقوم بتشريع القوانين ومحاسبة الحكومة ومتابعة عملها، والقضاء يجب أن يكون مستقلاً عن الحكومة والتشريعي حتى يحكم بالعدل دون محاباة أو محسوبية أو واسطة. ولا تكون الدولة دولة مؤسسات إلا إذا وثق المواطن بالدولة وأجهزتها وبنزاهة مؤسساتها وشفافيتها، حتى إذا احتكم إليها أنصفته كما تنصف غيره. فالثقة هي أساس العلاقة بين المواطن والدولة ومؤسساتها، وعلى هذا الأساس يدفع المواطن ضرائبه لأنه يعلم أنها ستذهب لخزينة الدولة والتي بدورها ستصرف الأموال على من يستحق وما يستحق. فدولة المؤسسات تعمل كل جهدها ليل نهار في سبيل أمن المواطن وراحته وسعادته، وتسخر جميع مؤسسات الدولة لهذا الهدف السامي الذي يتجلى في تقديم الخدمات الفضلى للمواطن. ولا بدّ من التأكيد أنّ الدولة وجميع مؤسساتها موجودة أصلا لخدمة المواطن، وليس العكس كما في الدولة الدكتاتورية حيث كل المؤسسات والشعب وكل شيء موجودين لخدمة الحاكم المتفرّد بالحكم.
والدولة التي تعتمد على مؤسساتها الراسخة، تكون مستقرة وتكون تنميتها مستدامة. أما الدولة التي تعتمد على الأفراد والأحزاب، فتكون في مهب الريح وبعيدة كل البعد عن الاستقرار. فالأفراد والأحزاب متغيرون، أما المؤسسات فهي دائمة باقية وأوتادها راسخة في الأرض، لا تتأثر إذا توفى شخص أو استقال، او جاء رئيس جديد عن طريق الانتخابات. فالمؤسسات تكون مبنية على أنظمة وتشريعات وقوانين وتعليمات وإجراءات لا تعتمد على الأشخاص وغير مرتبطة بهم وبارتباطاتهم وأهوائهم. فإذا كان جيش الدولة وطنيا مهنيا ومحترفا، لن يتغير كثير من الأمور إذا تغير شخص واحد في الجيش حتى لو كان القائد الأعلى، لأن الجيش هنا مؤسسة عريقة تم بناؤها على مدار سنوات عديدة من العمل الشاق والتراكمات التي لا يسهل نسفها في ليلة وضحاها. وكذلك، بالنسبة للحكومة والقضاء والبرلمان وكافة المؤسسات الرئيسية في الدولة، لا يمكن لها أن تعتمد كليا على شخص أو اثنان مهما علا أمرهما إذا كانت تلك المؤسسات راسخة ومستقرة وشفافة. وهذا ما نراه في الدول الأوروبية على سبيل المثال، فيأتي حاكم جديد عن طريق الانتخاب الحر، ويذهب ذلك الحاكم ويأتي حاكم جديد، وتبقى المؤسسات تقوم بعملها على أكمل وجه، مهما تغير الأشخاص والرؤساء والحكام. صحيح أن رئيس الحكومة يكون له تأثير نوعا ما على تقدم الدولة أو تأخرها في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، إلا أن مؤسسات الدولة في الدولة الديمقراطية هي الأساس. وهذا ما حصل في ألمانيا عندما كان مستشار ألمانيا هو هلموت كول (من الاتحاد الديمقراطي المسيحي) منذ 1982 حتى 1998، ثم خلفه غيرهارد شرودر (من الحزب الديمقراطي الاجتماعي) لمدة سبعة سنوات، ثم عاد الاتحاد الديمقراطي المسيحي للحكم ممثلاً بأنجيلا ميركل عام 2005 وحكم ألمانيا خمسة عشر عاما حتى يومنا هذا. وهكذا نرى أنّ المؤسسات الألمانية هي التي كانت تحكم وهي التي تتطور وتطور البلد معها، دون الاعتماد الكلي على شخص مهما كانت ميزات هذا الشخص استثنائية. وستذهب ميركل، تلك المرأة العظيمة، كما ذهب غيرها من زعماء ألمانيا، وتستمر المؤسسات الألمانية الحاكمة في عملها وتميزها وإنجازاتها التي تبهر العالم كل يوم بدقتها وجودتها وأدائها.