يرزا وحمصة.. تحدٍ للتهجير القسري في الأغوار

 


وفا- لم تمهل سلطات الاحتلال الشقيقين حافظ ورامي مساعيد من خربة يرزا شرقي طوباس طويلا منذ عملية الهدم التي نفذتها سابقا لمسكنيهما، حتى أعادت الكرّة صبيحة أمس الاثنين.

ذات القوة أنهت عمليات الهدم في خربة يرزا واتجهت إلى خربة حمصة الفوقا لتنفذ عملية هدم واسعة لها للمرة الرابعة خلال أسبوع واحد فقط.

خلال دقائق معدودة من اقتحام قوات الاحتلال لخربة يرزا، سوّت جرافاته الكرفانين السكنيين الملاصقين لمبنى قديم من الحجارة والطين بالأرض، رغم أنهما مقدمان من الاتحاد الأوروبي لإيواء عائلتي رامي وحافظ مساعيد بشكل طارئ بعد عملية الهدم لمساكنهما قبل أربعة أشهر.

يرزا التي تمتاز بهدوئها لم تكن كذلك أمس، فهذا الهدوء أفسده ضجيج كبير أحدثه صوت الصفيح أثناء هدمه وسقوطه على الأرض، يتبعه صوت تمزق "الشوادر".

جرافتان تقومان بهدم منشأتين في وقت متزامن، بينما كانت سيارة عسكرية للاحتلال تغلق مدخل الخربة لمنع حركة الدخول إليها.

بعد أن فرغت قوات الاحتلال من هدم الكرفانين، كانت الحاجة أم حافظ مساعيد تجلس على أطلال الدمار لا تنطق سوى "حسبنا الله ونعم الوكيل"، بينما كان نجلها حافظ يتفقد آثار الخراب.

يقول حافظ مساعيد، إن قوات الاحتلال هدمت مسكنه ومسكن شقيقه أكثر من مرة، آخرها في نهاية شهر أيلول الماضي، فما أن يفرغ السكان من لملمة متاعهم ومنشآتهم حتى تعيد سلطات الاحتلال الهدم، لكنه يصرّ على البقاء في الخربة التي يتواجد فيها أبا عن جد.

يرزا هي خربة فلسطينية قديمة كانت تضم عشرات العائلات، ولكن في عام 1967 هدمها الاحتلال وشرّد سكانها، وتقطنها حاليا 15 عائلة تعتاش على الزراعة البعلية وتربية المواشي.

عملية الهدم في حمصة الفوقا طالت الخيام التي أقامتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بمساعدة من مؤسسات دولية لإيواء المواطنين، لتكون هذه العملية هي الرابعة خلال أسبوع.

عند اقتحام الخربة، انتشر عشرات الجنود فيها وطوّقوها حتى باتت أشبه بالثكنة العسكرية، وبينما كانوا يطوقونها من مختلف الجهات، أجبر المواطنون على المكوث في زاوية محددة.

على ركام خيمتها، كانت الحاجة أم نضال تجلس برفقة أحفادها، وتتفقد بعينيها حال الخراب الذي لحق بالخربة، بينما كانت تهز بيدها سرير حفيدها الرضيع حتى يكف عن البكاء، وعلى مقربة من جدتها، كانت أمل التي يبدو أن لها من اسمها نصيب تجوب محيط الخيمة، وتلتقط بيديها الصغيرتين ما يمكن استخدامه من متاعهم.

تقول أم نضال إنها مع نجليها وعائلتيهما حصلوا على خيمة إيواء بعد عمليات الهدم التي طالت منشآتهم الأسبوع الماضي، ولكنهم لم يبيتوا فيها سوى ليلتين قبل إعادة هدمها اليوم.

وتضيف وهي تشير بيدها إلى شاةٍ نافقة على بعد بضعة أمتار من الخيمة، أن الاحتلال لا يستهدف الإنسان فحسب في الأغوار، بل يحاربه في مصدر رزقه، فهذه الشاة نفقت بسبب بقائها في العراء دون مأوى منذ أسبوع، وباقي المواشي مهددة بالنفوق أيضا.

خلال الهدم، نشبت مشادة كلامية بين المواطن وليد أبو الكباش وجنود الاحتلال، فحاول أحد الجنود الاعتداء عليه بالضرب، لكن المواطنين حالوا دون ذلك.

يقول أبو الكباش إن سكان هذه الخربة لا يخافون من ممارسات الاحتلال، مضيفا: "عندما ينتهي الجنود من الهدم سأعاود البناء مجددا، ولن نغادر أراضينا".

ويتساءل أبو الكباش مخاطبا الجنود: "لماذا تأتون مدججين بالسلاح لخربة سكانها مزارعون عزل، هذه الأسلحة لا تخيف حتى طفل صغير من أبنائنا، جدي وأبي صمدوا في هذه الأرض ولم يتركوها فريسة للاحتلال ونحن كذلك".

يقدر عدد المنشآت التي هدمتها قوات الاحتلال في خربة حمصة أمس بـ31 منشأة، منها 9 خيام سكنية، و22 خيمة وحظيرة للأغنام، بالإضافة إلى تمزيق ثمانية شوادر، والاستيلاء على جرار زراعي، ومركبتين تعودان للهيئة العامة للإذاعة والتلفزن، وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

بدوره أوضح مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة مراد اشتيوي، أن عمليات الهدم المتكررة في خربة حمصة وغيرها من مناطق الأغوار تشير إلى نية التهجير القسري وإصرار الاحتلال على إفراغ منطقة حمصة من السكان الفلسطيين، ومن ثم باقي مناطق الأغوار، فالهدف الأكبر هو تهجير وترحيل كافة التجمعات البدوية وإنهاء وجودها في إطار خطة الاحتلال بالاستيلاء على الأغوار كاملة.

وأكد اشتيوي أن الهيئة برفقة المتطوعين والناشطين أعلنت الاعتصام الدائم في المنطقة، وكلما هدم الاحتلال خيمة يتم إعادة بنائها، وهذا صراع إرادات لإفشال مخطط الاحتلال.

ودعا ممثلي الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية الذين زاروا المنطقة مؤخرا ووعدوا بحمايتها من التهجير القسري إلى مضاعفة جهودهم لردع الاحتلال عن عنجهيته.

تعرضت خربة حمصة الفوقا للهدم أربع مرات متتالية خلال أسبوع واحد، ففي كل مرة تعاود سلطات الاحتلال هدم الخيام التي يعيد السكان إقامتها بمساعدة من مؤسسات محلية ودولية، وقبل ثلاثة أشهر هدمت الخربة كاملة، وفي حينها وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) هذه العملية بأنها "أكبر حادثة من حوادث التهجير القسري في الضفة منذ أربعة أعوام، حيث هدمت السلطات الإسرائيلية 83 مبنى، أي ما يعادل ثلاثة أرباع التجمع، بما في ذلك 29 مبنى تم تقديمها كمساعدات إنسانية. ونتيجة لذلك، نزح ما مجموعه 73 شخصًا، من بينهم 41 طفلاً، لكنهم تمكنوا من البقاء في المنطقة بعد تسليم الملاجئ الطارئة وغيرها من المساعدات".

يذكر أن خربة حمصة الفوقا هي خربة فلسطينية هدمها الاحتلال بشكل كامل بعد احتلال الأغوار عام 1967 وهجَّر غالبية سكانها، وهو الآن يستولي على 70% من أراضيها، ويغلقها بأوامر عسكرية ويمنع سكانها من البناء بحجة أنها "منطقة إطلاق نار".

من جهته، يقول الناشط الحقوقي عارف دراغمة إن ما نفذه الاحتلال أمس في خربتي يرزا وحمصة جزء من سياسة واضحة لتدمير البنية التحتية ومقومات بقاء المواطنين في أراضيهم.

ويسوق الاحتلال عدة ذرائع لعمليات الهدم في مناطق الأغوار، لكن الهدف الفعلي هو تنفيذ سياسة تهجير قسري وإفراغ الأغوار من سكانها وتسهيل الاستيطان فيها، حيث يشن هجمة شرسةعليها، فمنذ بداية العام الحالي هدمت سلطات الاحتلال حوالي ١٢٠ منشأة في الأغوار كاملة (شمالية، وسطى، جنوبية)، وفقا لدراغمة.