Adbox

العربي الجديد - تعرّض قطاع غزة خلال عامَي الحرب لتدمير ديمغرافي ممنهج، أدى إلى تشويه الهرم السكاني وانخفاض معدل الولادات وزيادة الإجهاض والتشوهات والوفيات داخل الرحم، وسط غياب الرعاية الصحية اللازمة للحوامل.

لا يقتصر انخفاض معدلات الولادة وارتفاع نسبة الإجهاض في قطاع غزة على آثار صحية آنية فحسب، بل يحمل تداعيات اجتماعية ونفسية وصحية طويلة الأمد، تمتد لسنوات وتؤثر على الأجيال القادمة، وعلى بنية تكوين المجتمع الذي يشكل نسبة الأطفال فيه 47%، بحسب البيانات الرسمية.

وخلال عامَي الحرب تعرضت غزة لتدمير ديمغرافي ممنهج بفعل الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين، عبر القتل الجماعي والنزوح القسري، وتفكيك البنية المجتمعية، ما أدّى إلى انخفاض عدد السكان وتشويه الهرم السكاني، خصوصاً في فئات الأطفال والشباب، كما انعكس على حالة الإنجاب، وما رافقها من مشاكل صحية عديدة لدى الحوامل، مثل انخفاض معدلات الولادة، وزيادة الإجهاض، والولادة المبكرة، والوفيات داخل الرحم، والتشوهات، وارتفاع نسبة الولادة بأوزان غير طبيعية، والتي من المرجح أن تستمر لسنوات نتيجة تدمير مراكز الرعاية الصحية المتخصصة.

ويقول رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية رامي الشقرة، إنّ "نقص المواليد ليس ظاهرة طبيعية بل نتيجة مباشرة لتعطيل قسري للإنجاب عبر تدمير المستشفيات ومنع الرعاية الصحية وتجويع النساء الحوامل، هذا سيخلق فجوة جيلية واضحة خلال السنوات المقبلة"، ويشير إلى أن إسرائيل تراهن على كسر الفلسطيني ديمغرافياً، والفلسطيني يراهن على البقاء وإعادة بناء نفسه جيلاً بعد جيل، و"حتى الآن التاريخ يقف مع الرهان الفلسطيني".

يتجاوز الخلل الديمغرافي الجانب الصحي ليطاول بنية المجتمع، من تفكك الأسر وارتفاع أعداد الأيتام وتشوّه التركيبة العمرية، وهذه آثار يؤكد الشقرة، أنها عميقة وطويلة الأمد، إلّا أنه يرى أن هذا الخلل ليس قدراً محتوماً، فالتعافي ممكن عبر سياسات اجتماعية وصحية واعية، ورعاية مكثفة للأيتام، وإعادة بناء التعليم، وتمكين الأسر المتضرّرة.

ويلفت إلى أن المجتمع الفلسطيني يمتلك قدرة تعافٍ استثنائية. وتاريخياً، أعاد الفلسطينيون ترميم مجتمعهم بعد النكبة، وبعد كل حروب غزة السابقة، وأثبتت التجربة الفلسطينية أن الخصوبة عادت للارتفاع بعد كل عدوان، ويتابع الشقرة: "التعافي هنا ليس فورياً، لكنه ممكن ومشروط بإعادة بناء القطاع الصحي ودعم النساء نفسياً واجتماعياً، وخلق حد أدنى من الأمان والاستقرار".

وتُظهر معلومات صحية، حصلت عليها "العربي الجديد"، زيادة واضحة في معدلات الإنجاب خلال فترة التهدئة وحدوث نوع من الاستقرار، بالرغم من الخلل الواضح في نسبة المواليد خلال عامَي الحرب والتي انخفضت بنسبة 20 إلى 42% مقارنةً بمعدلها خلال السنوات السابقة. وقد سجّلت الوحدة 48.600 حالة ولادة، أسفرت عن 49.267 مولوداً حيّاً، باحتساب الأطفال التوأم خلال عام 2025. وتكشف المعطيات أن معدلات الولادة عام 2025 انخفضت بنسبة 20% عن حالة المواليد قبل الحرب، إذ سجلت 54.700 حالة ولادة عام 2022، فيما كان معدل الانخفاض كبيراً عام 2024، إذ سجلت 38 ألف حالة ولادة، أي أن نسبة الانخفاض بلغت 42% مقارنة بالأعوام السابقة للحرب.

إلّا أنّ الأمر تغيّر مع اتفاق التهدئة في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، بحيث شهد قطاع غزة حالات إنجاب في شهرَي أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته، ما يؤشر إلى أن الاستقرار يساهم في ارتفاع معدلات الحمل والولادة.

وتكشف مصادر صحية لـ"العربي الجديد" أن الوحدة سجّلت ولادة 4.900 طفل بأقل من الوزن الطبيعي، وهذا الارتفاع يبلغ 60% عن أوزان المواليد قبل الحرب، إذ يحدد الوزن الطبيعي بمعدل 2.5 كيلوغرام، كما سجّلت الوحدة أربعة آلاف حالة ولادة مبكرة، فيما بلغت نسبة الإجهاض نحو خمسة آلاف حالة مسجلة، وقد يكون العدد أكبر باعتبار أن هناك نساء لم يتوجّهن إلى مراكز الرعاية الصحية أو أجهضن في الخيام والبيوت.

حيث بلغت حالات وفيات الأطفال داخل الرحم، 611 حالة مقارنةً بمعدل 327 حالة وفاة عام 2022، بمعدل زيادة بلغت 47%، فيما بلغت التشوهات الخلقية 315 حالة، وهي عبارة عن ثقوب في القلب والمثانة والأعضاء التناسلية، مقارنةً بمعدل 184 حالة عام 2022، أي أن الارتفاع بلغ 58%، فضلاً عن 452 حالة وفاة في الأسبوع الأول بعد الولادة، وذلك عام 2025.

ولم تنتهِ الآثار الصحية التي تلاحق النساء الحوامل بتوقف الحرب، إذ ما زالت عيادات الرعاية الأولية تسجل ارتفاعاً في نسب الإجهاض والولادة المبكرة والوفاة داخل الرحم لأسباب غير معروفة. وأثناء مراجعة روتينية في أحد مراكز الرعاية، وفيما كانت نغم شاهين تنتظر بلهفة معرفة جنس الجنين، وهي الحامل في شهرها السادس، فوجئت بوجود تشوهات خلقية ومياه حول منطقة البطن، ويقول زوجها لـ"العربي الجديد": "كان الأمر صادماً، وقد أثّر على الحالة النفسية لنغم. ومن المحتمل أن الأمر مرتبط بالعملية العسكرية الأخيرة لجيش الاحتلال بمدينة غزة، إذ كنا ننزح بلا سيارات ويجري قصف مناطق قريبة منا، وكنا دائماً نعيش في حالات إخلاء وخوف. لم تتبقَّ للولادة سوى ثلاثة أشهر، وقدومه بحالة تشوه أمر صعب".

لم تكن هبة لافي ترغب في حدوث الحمل، لكن بعد حملها كانت الأمور سليمة في البداية، وخلال الفحص الروتيني في الشهر الثالث، تبيّن وجود حمل عنقودي (خارج الرحم)، ما اضطرّها إلى الخضوع لعملية إجهاض مع أخذ عيّنة لتحديد السبب، وطلب منها الأطباء عدم الحمل لمدة عام. لم تواجه هبة التي أنجبت أربعة أطفال في السنوات السابقة للحرب مشكلة مشابهة، لكنّها خلال الحرب أجهضت في حملها السابق في أكتوبر 2023، وتُخبر "العربي الجديد": "كان القصف شديداً في محيط سكني بحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وعانيتُ لاحقاً من توترات نفسية، ونُقلت إلى المستشفى إثر ضيق في التنفس". وتُقرّ أنها لم تكن تنوي الإنجاب خلال الحرب نتيجة مشاهد قتل الأطفال وصعوبة حمايتهم، لكن مع فترة الهدنة في أكتوبر 2025 تغيّر القرار وحملت، قبل أن تفاجأ بحدوث حمل خارج الرحم، حتى أنّها لم تستطع النوم في بعض الأيام.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، تتضاعف معاناة الحوامل اللواتي يعشن في مخيّمات قريبة من الخط الأصفر الذي لا يتوقف فيه الاحتلال عن القصف والقتل والخروق ونسف مربعات سكنية، ما يفاقم لديهنّ المخاوف والقلق. وهذا ما عانت منه صفا سامي سعد، إذ قبل ثلاثة أيام من حصول مضاعفات في الحمل، فجّر الاحتلال عربة مفخخة قرب منطقة نزوحها عند مفرق الشجاعية، ويقول زوجها لـ"العربي الجديد": "يومها كانت تصرخ من الخوف، ثم أصابتها إنفلونزا موسمية ومضاعفات. وعندما ذهبتْ إلى المعاينة الطبية، تبيّن أن الجنين قد توفي داخل الرحم، ما اضطرها إلى الخضوع لعملية إجهاض"، ويتابع: "كانت صدمة بالنسبة إلينا، خصوصاً أن وضع الجنين قبل حادثة التفجير كان جيداً، وكانت زوجتي في شهرها الرابع، وهي لم تشك قبل سنوات الحرب من أي مشكلة مشابهة، بل إنّنا رُزقنا بخمسة أطفال".

وفي أحد مراكز الرعاية الصحية الأولية في حيّ الدرج بمدينة غزة، بدا المشهد كارثياً، إذ اكتظّ بالنساء الحوامل أو اللواتي حضرن لتطعيم المواليد الجُدد، فكانت امتلأت المقاعد داخل الممرات وأمام غرف الأطباء وفي ساحات الانتظار، بمئات النساء عند ساعات الصباح المبكرة، بهدف الحصول على فرصة لمراجعة الطبيب، وسط ظروف صعبة تعاني منها المؤسسات الصحية في القطاع أثرت كثيراً على تقديم خدمات الرعاية.

بدورها، تؤكد مديرة مركز "الدرج الصحي" للرعاية الأولية ريهام حجازي، أنه خلال الفترة الأخيرة لاحظت خلال التصوير بالموجات فوق الصوتية، زيادة في نسبة تشوهات الأجنّة، كعدم وجود الرأس وتشوهات بالقلب، فضلاً عن فقدان الجنين في الأشهر الأخيرة من الحمل من دون معرفة السبب. وتقول حجازي لـ"العربي الجديد" إنّ "الأمهات يعانين من سوء التغذية ما انعكس على صحة الجنين، وعلى الحالة النفسية للحوامل اللواتي يعانين من الاكتئاب، إلى جانب عدم الرغبة في الحمل خوفاً من تبعات الولادة، لناحية التربية وتوفير الغذاء، ومع ذلك ما زالت نسبة الخصوبة جيدة".

وتوضح حجازي أن الحوامل عانين من زيادة في الالتهابات المهبلية والبولية، التي أدت إلى الولادة المبكرة والإجهاض، فضلاً عن العيش في الخيام وعدم توفر المياه الصالحة والطعام الصحي، وترى أن "انخفاض معدلات الولادة سيؤدي إلى نقص في الجيل القادم، ما يشير إلى أن الأطفال كانوا أحد أهداف الاحتلال خلال الحرب كونهم أساس المجتمع، وواضح أن هدف الاحتلال إضعاف الخصوبة في غزة لمنع ظهور جيل جديد".

ونتيجة الحرب والتدمير، خرج 95 مركزاً للرعاية الصحية الأولية عن الخدمة من أصل 157 مركزاً حكومياً وأهلياً أو تابعاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إذ يعمل حالياً 62 مركزاً فقط في قطاع غزة، ما يُضعف إمكانية معالجة آثار الحرب على النساء الحوامل.

ويقول مدير قسم الأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي، أحمد الفرا، إنّ "مراكز الرعاية كانت تشكل الحاضنة الطبية للحوامل عبر المتابعة المستمرة، وبالتالي فإنّ غياب المتابعة يؤدي إلى مشاكل كبيرة، منها ضعف نمو الجنين"، ويضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "تداعيات الحرب مستمرة، ومنها زيادة نسبة الأطفال الخُدّج، الذين هم عرضة لالتهابات في الجهاز التنفسي، نظراً لضعف المناعة وعدم كسب الوزن جيداً. ولو كان هذا الطفل أنثى، فإنّها ستعاني من قصر القامة مستقبلاً، وعندما تتزوج ستعاني أثناء حملها"، ويتابع الفرا: "هذا يعني أن آثار الحرب ستبقى لأجيال قادمة. والكثير من الأطفال وُلدوا قبل أوانهم، وقد تنجم عن ذلك أمراض مثل التوحّد والقلق، أي أننا نتحدث عن جيل كامل معرّض للأمراض".

وحول الأسباب المباشرة لانخفاض معدلات الولادة، يوضح أنّ فرص الحمل كانت صعبة خلال الحرب بسبب النزوح، وعدم وجود بيئة مناسبة في الخيام، وانعدام الخصوصية، والخوف والقلق من تدبير لقمة العيش، وصعوبة الوصول إلى مراكز الرعاية الصحية التي دُمّر معظمها، ونقص المكملات الغذائية اللازمة، وسوء المواصلات ومخاطر التنقل والتعرض للغبار والقصف والدخان، وكلها عوامل تؤدي إلى زيادة نسبة تشوهات الأطفال، ويضيف الفرا: "لو افترضنا حدث الحمل، ففي ظل سوء التغذية وانعدام فرص المتابعة الطبية للمضاعفات والالتهابات، لن يكتمل الحمل أو ستُسجّل وفاة الجنين ساعة الولادة، أو أن وزن الجنين سيكون منخفضاً كما يحدث  في أغلب الحالات".

لم تتوقف معاناة الحوامل في غزة، خصوصاً مع استمرار الخروق الإسرائيلية، والشحّ الكبير في المستلزمات الصحية والمكملات الغذائية والأدوية الأساسية للأطفال، ونفاد الفحوصات الكيميائية الحيوية بنسبة 75%، فضلاً عن العيش المرير في الخيام والبرد القارس الذي أدى أخيراً إلى تسجيل حالات وفاة في صفوف الأطفال.

أحدث أقدم