فلسطين الترا - "المرض عدا، لكن الماء والطعام نفسه لم يتغيرا، والخيمة لم تختلف، أخشى أن يعود المرض لأحدنا من جديد". بهذه الكلمات عبّر نعيم خضير (34 عامًا) عن تخوفه من تجدّد إصابة أحد أبنائه بفيروس التهاب الكبد الوبائي (A)، المنتشر في قطاع غزة بفعل تداعيات النزوح وتلوث المياه وتدمير شبكات الصرف الصحي.
يعيش خضير مع زوجته وأبنائه الأربعة داخل خيمة في أحد مخيمات منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، في ظروف معيشية قاسية تنعدم فيها أدنى مقومات الحياة.
يكشف واقع الحال في القطاع استمرار الإصابة بفيروس الكبد الوبائي من النوع الأول، وفق منحنيات مختلفة، كنتيجة مباشرة للحرب الإسرائيلية وتداعياتها على تدهور الواقع الصحي والبيئي
العدوى الصامتة
يستذكر خضير بداية إصابته بالمرض قائلًا: "قبل شهر ونصف شعرت بآلام في بطني وأوجاع في المعدة، وظننتها في البداية جراء تناول الطعام المُعلّب أو موجة برد عابرة، حتى بدأت أشعر بهزال شديد وآلام في العظام".
ويضيف خضير لـ"الترا فلسطين": "لاحظت زوجتي اصفرار عينيّ، وبدأت أتقيأ عدة مرات، وبتُّ غير قادر على الحركة، حتى هبطت مناعتي بشكل حاد".
ويؤكد خضير: "عند استشارة ممرضة في المخيم أخبرتنا بضرورة التوجه إلى المستشفى، كون الأعراض تنذر بإصابتي بفيروس الكبد الوبائي".
ورغم سماع الشاب الثلاثيني بالمرض وانتشاره بين خيام النازحين، فإن تأكيد الأطباء إصابته به جاء بوقع الصدمة عليه، خشية تطور أعراضه أو احتمال انتقال العدوى لأيٍّ من أفراد أسرته.
ويروي خضير أن إصابته بالفيروس جاءت نتيجة استعمال المياه الملوثة وانتشار بؤر الصرف الصحي في مخيم النزوح الذي يقيم فيه، واعتماده على المعلبات وطعام التكيات، وفق ما أخبره الأطباء في مجمع ناصر الطبي.
لكن رغم تلك التأكيدات، فإن واقع خضير لم يتغير كثيرًا للوقاية من العدوى مجددًا، إذ ما يزال اعتماده على المطابخ الخيرية في توفير الطعام، وحصوله على مياه الشرب من ذات المصدر، إضافة إلى عدم قدرته على الانتقال إلى أي مكان آخر بعيدًا عن المخيم المكتظ لانعدام أي بديل، يؤكد خضير بحسرة.
في خط مقابل، يروي الحكيم مصعب أبو شقرة (41 عامًا) تفاصيل إصابته بالتهاب الكبد الفيروسي خلال عمله في مركز السلام الصحي غرب مدينة خان يونس.
يقول أبو شقرة لـ"الترا فلسطين": "بدأت الأعراض بإرهاق شديد وغثيان وخمول عام، اعتقدت في بادئ الأمر أنه نتيجة ضغط العمل، لكن ما دعاني لإجراء الفحوصات الطبية هو ارتفاع درجة الحرارة بشكل كبير واصفرار الجلد".
ويتعامل أبو شقرة يوميًا مع عشرات الأطفال المصابين بأمراض معوية؛ لذلك لم يستبعد انتقال العدوى إليه "نتيجة قلة أدوات التعقيم ومستلزمات الوقاية داخل النقاط الطبية ومراكز الرعاية الأولية المنتشرة بين مخيمات النزوح ومراكز الإيواء".
ومنذ تأكد إصابته بالفيروس، مكث أبو شقرة في منزله عدة أيام تفاديًا لانتقال العدوى إلى الكادر الطبي والمراجعين، مشيرًا إلى أنه اعتمد على مسكنات الآلام، وابتعد عن تناول الأطعمة المقلية ومخالطة الآخرين، فضلًا عن استخدام أدوات خاصة به للنظافة الشخصية.
الحرب على الصحة
ويكشف واقع الحال في القطاع استمرار الإصابة بفيروس الكبد الوبائي من النوع الأول، وفق منحنيات مختلفة، كنتيجة مباشرة للحرب الإسرائيلية وتداعياتها على تدهور الواقع الصحي والبيئي.
ويُصنّف الكبد الوبائي من النوع الأول على أنه مرض فيروسي يصيب الكبد، ويتواجد في دم وبراز الشخص المصاب، مما يجعل طرق العدوى كثيرة، خاصة في مناطق النزوح بقطاع غزة التي باتت بعد الحرب بيئة خصبة لانتشار المرض، وفق ما تؤكده الحكيمة إيمان أبو عيّة، رئيسة قسم مكافحة العدوى في مجمع ناصر الطبي.
وقالت أبو عيّة في حديثها لـ"الترا فلسطين": "رصدنا تزايدًا ملحوظًا للمصابين خلال شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، وكانت الأعراض تتجه إلى Hepatitis (E) المشابه لـ(A)، لكننا لم نتأكد من ذلك لعدم وجود عينات الفحص المطلوبة بسبب منع إدخالها من قبل الاحتلال الإسرائيلي".
وأضافت الحكيمة: "خلال الشهر الماضي (كانون الثاني/يناير) والحالي (شباط/فبراير) لوحظ ارتفاع بسيط عن الوضع الطبيعي في المرض، خاصة بين الأطفال والفئات العمرية الأكبر سنًا".
ولفتت الحكيمة في المجمع إلى عدم توفر تحليل الأجسام المضادة في نوع Hepatitis (B)، الذي يفيد في معرفة مستوى نشاط الفيروس لدى الشخص ومدى تلقيه التطعيم، خاصة في فئة الكوادر الصحية، وبالتالي عدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب بشأن علاجه قبل إصابته بالعدوى.
وحول أسباب انتشار المرض في القطاع، أوضحت أبو عيّة أنه ناجم عن تلوث المياه والطعام والاكتظاظ في مخيمات النزوح، بالإضافة إلى تدمير شبكات الصرف الصحي وانتشار بؤر المياه العادمة بين الخيام دون تصريف.
أما عن الأعراض التي لوحظت على المرضى، فتقول أبو عيّة: "يلاحظ على المريض آلام شديدة في الجهة اليمنى من البطن، واصفرار العينين، وفقدان الشهية، والقيء والإسهال".
ورغم تأكيد الحكيمة الصحية أن جميع الفئات العمرية كانت عرضة للإصابة بالمرض خلال الفترة الماضية، فإنها قالت إن الغالبية كانت من الأطفال وكبار السن، وقد أدى المرض إلى حالات وفاة سُجّلت نتيجة تدهور وضعها الصحي.
وحذّرت الحكيمة من تفاقم المرض في حال بقاء الأوضاع الصحية والبيئية على ما هي عليه دون معالجة، في ظل تدهور وضع المستشفيات وعدم توفر غرف وأسرّة كافية لعزل المصابين.
وطالبت أبو عيّة بضرورة اتباع إجراءات الوقاية من قبل القائمين على المخيمات ومراكز الإيواء للحفاظ على نظافة المرافق العامة في أماكن النزوح وزيادة عدد المراحيض المخصصة للنازحين.
وفي ختام حديثها، طالبت أبو عيّة بإلزام التكيات بإجراءات سلامة الغذاء وتفعيل الرقابة عليها لأهميتها في تقليص نسب الإصابة بالمرض.
وما بين تداعيات الإبادة وويلاتها المتلاحقة، يجد الغزيون أنفسهم في مواجهة مزدوجة من أجل البقاء، إذ لا يحتاج القضاء على الفيروس إلى مجرد علاج، بل إلى بيئة آمنة وخدمات أساسية ما زالت رهينة الحرب وكوارثها الإنسانية.
