Adbox

القوات الإسرائيلية في الخليل، في 24 مارس 2026 (وسام حشلمون/الأناضول)

العربي الجديد - تتنوّع سياسات الاحتلال الإسرائيلي في التوسّع الاستيطاني بين السكني والزراعي والرعوي، وصولاً إلى "الصناعي"، وقد تجلّى ذلك في الثاني عشر من الشهر الماضي، حين اقتحم وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي نير بركات مناطق بلدة الظاهرية جنوبي الخليل، أقصى جنوب الضفة الغربية، في المنطقة المحاذية لجدار الفصل العنصري، وأعلن، إلى جانب اليرام أزولاي رئيس المجلس الإقليمي الاستيطاني في الخليل، عن إقامة "منطقة صناعية" تُدعى "عميريم" على مساحة تُقدَّر بنحو 2400 دونم.

وقال بركات حينها، إن وزارته "استثمرت حتى الآن نحو 12 مليون شيكل (عملة إسرائيلية) في التخطيط لهذه المنطقة، وقريبا ستُقدَّم طلبات لاستثمار إضافي بقيمة 35 مليون شيكل من أجل بدء أعمال التطوير". وتعود جذور هذا المخطّط إلى عقودٍ مضت؛ إذ أقام الاحتلال، بعد عام 1949، بلدةً صناعية تُدعى "عومر" شمال بلدة بئر السبع في المنطقة الحدودية مع الخليل، وذلك قبل تشييد جدار الفصل العنصري الذي فصل "عومر" عن حدود الضفة الغربية. ويحمل اسم هذه البلدة دلالة دينية واقتصادية في التوراة اليهودية.

وفي عام 1983، أقام المستوطنون مستوطنة "تنه عومريم" على أراضي بلدة الظاهرية جنوب الخليل، على يد منظمة "غوش أمونيم" الصهيونية، وإلى الشرق من هذه المستوطنة أنشأ الاحتلال منطقة صناعية إدارية تُسمّى "ميتاريم"، تضمّ مصانع لمعالجة النفايات ومئات ألواح الطاقة الشمسية المقامة على أراضي الفلسطينيين، إضافةً إلى مقرّ المجلس الإقليمي الاستيطاني.

ويقع جنوب هذه المنطقة معبر "ميتار"، الذي كان يُعدّ شريان العبور الاقتصادي لعشرات الآلاف من العمّال إلى داخل الخطّ الأخضر، قبل أن يُطردوا من أعمالهم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي هذه الأراضي الواقعة بين "حاجز ميتار، وميتاريم، وتنه عومريم" أقام المستوطنون عددا من البؤر الرعوية والاستيطانية، وكانت من بينها بؤرة زراعية تدعى "حفات ميتاريم" أسسها أحد قادة عصابات الاستيطان "ينون ليفي" الذي قتل الشهيد عودة الهذالين في خربة أم الخير بمسافر يطا أواخر يوليو/تموز العام الماضي. 

وفي أغسطس/آب 2016، كشفت سلطات الاحتلال عن "مخطط استراتيجي" ترعاه الإدارة المدنية الإسرائيلية، يتضمّن تعهّدا بإقامة منطقة صناعية في مستوطنة "تنه عومريم" على الأراضي المصادَرة من الفلسطينيين. وفي مطلع سبتمبر/ أيلول 2024، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية نيّتها تعديل منطقة النفوذ في مستوطنة "تنه عومريم". 

ويأتي هذا التسلسل في الأحداث امتدادا للإعلان الذي صدر عن الوزير الإسرائيلي نير بركات، حين كشف عن إقامة منطقة صناعية في الموقع على حساب الأراضي الفلسطينية. وفي ظلّ الحديث عن مشروع المنطقة الصناعية بمساحة 2400 دونم، يوضّح مدير النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أمير داوود، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الخطاب السياسي الإسرائيلي غالبا ما يسبق الإجراءات الميدانية، ويقول إنّ "تصريحات السياسيين، ومنهم نير بركات، تتحدث عن أرقام إجمالية للمشروع، لكن عمليا لا يمكن طرح مخطط بهذه المساحة دفعة واحدة، بل يتم ذلك عبر مراحل متتالية".

ويبيّن داوود أن الآلية المتبعة تبدأ بإيداع مخطط لدى "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، ثم نشر تخصيصات الأراضي، يلي ذلك الإعلان عن المساحات والوحدات التفصيلية. ويؤكد أن الإعلان الأولي عن المشروع يحمل أبعادا سياسية واضحة، إذ يُستخدم لإيصال رسائل تتجاوز البعد التخطيطي، بينما يبقى المخطط بحاجة إلى استكمال مساره القانوني داخل لجان التخطيط تمهيدا للتنفيذ. وبحسب داوود، فإنه إلى الآن، لم يُنشر أي مخطط رسمي على موقع "الإدارة المدنية الإسرائيلية" حول بدء تنفيذ المخطّط.

وعن الموقع الجغرافي للمشروع، يلفت داوود إلى أن المنطقة المقترحة تقع في محيط مستوطنة "تنه عومريم"، وهي منطقة حدودية قريبة من الخط الأخضر الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عامي 1948 و1967، الأمر الذي يجعل المشروع جزءًا من سياسة أوسع تستهدف طمس الحدود بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948.

ويشير داوود إلى أن هذا التوجه يعيد إحياء أفكار طُرحت منذ ثمانينيات القرن الماضي ضمن مخطط "النجوم الخمس" الذي ارتبط باسم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق، أريئيل شارون، والقائم على دمج مناطق من الضفة في الداخل المحتل بما يؤدي إلى تذويب حدود عام 1967، كما يجري مع مخطّط المنطقة الصناعية. 

ويوضح داوود أن التحول في الخطاب الإسرائيلي حول الاستيطان بات واضحا؛ فبعدما كانت الذريعة الأمنية هي الغالبة، أصبحت الرؤية الحالية تنظر إلى الاستيطان كأداة سيطرة شاملة على الأرض وتحويل الضفة إلى خزان إنتاجي يخدم الاقتصاد الإسرائيلي. ويقول داوود: "إن الاستغلال لا يقتصر على إقامة مصانع، بل يشمل استخدام مساحات شاسعة لنصب أبراج الاتصالات وألواح الطاقة الشمسية"، مشيرا إلى وجود عشرات وحدات الطاقة الشمسية في محيط بؤرة "ميتاريم"، ما يحوّل المنطقة إلى مصدر دخل في قطاعات الصناعة والزراعة والاتصالات والطاقة.

وفي السياق ذاته، يوضح داوود أن سلطات الاحتلال تسيطر في محيط "تنه عومريم" على أكثر من عشرة آلاف دونم بذريعة تصنيفها "أملاك دولة"، محذرا من أن المرحلة المقبلة قد تشهد صدور إعلان رسمي من "الإدارة المدنية" لتخصيص هذه الأراضي بوصفها "منطقة نفوذ" استيطانية، تمهيدا للبدء الفعلي بتنفيذ المخطط على الأرض.

ولا يمكن فصل مخطط المنطقة الصناعية عن التوسّع الاستيطاني التمهيدي على الأرض، إذ عمد المستوطنون إلى تسييج آلاف الدونمات والسيطرة عليها في منطقتي خربة الرهوة ووادي الطيران، المحاذيتين لمستوطنة "تنه عومريم" منذ نحو شهر، خاصّة وأن الاحتلال يصنّف هذه المناطق منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي على أنها "أملاك دولة"، وفق ما يوضحه الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عماد أبو هواش في حديثه مع "العربي الجديد".

ويشير أبو هواش إلى أن ما يجري لا يقتصر على أعمال تسييج أو وضع يد مؤقت، بل يأتي ضمن مخطط متكامل لإعادة رسم الخريطة الجغرافية للمنطقة، عبر خلق تواصل جغرافي بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية المحيطة، وربطها بشبكة طرق التفافية تخدم التمدد الاستيطاني، وتُحكم الطوق على التجمعات الفلسطينية القريبة.

ويؤكد الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن السيطرة على هذه المساحات الزراعية الشاسعة تمهّد فعليا لإقامة مشاريع صناعية وزراعية تخدم المستوطنين، في مقابل تضييق الخناق على المزارعين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم أو استصلاحها، ما يؤدي تدريجيا إلى دفعهم نحو تركها تحت وطأة القيود الأمنية والملاحقات.

وبحسب تقدير أبو هواش، فإن خطورة المشروع تكمن في أنه يشكّل امتدادا استراتيجيا يعزل الخليل عن عمقها الريفي والبدوي الجنوبي، ويؤثر مباشرة على بلدات الظاهرية والسموع والخرب المحيطة، الأمر الذي قد يفضي إلى تفتيت الكتلة الجغرافية الفلسطينية هناك. ويلفت إلى أن هذا النمط من التوسع يترافق غالبا مع خطوات قانونية إسرائيلية لاحقة، سواء عبر تكرار إعلان اعتبار الأراضي "أملاك دولة" أو إضفاء طابع تنظيمي على البؤر المقامة. ويؤكد أبو هواش أن استمرار هذه السياسات يهدد بتحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، التي كانت تُعدّ رافعة اقتصادية وسلة غذائية لمناطق جنوب الخليل، إلى نطاق استيطاني مغلق، يتمّ من خلالها توسيع جدار الفصل العنصري مستقبلا نحو الشرق ليسيطر الاحتلال بالكامل على المناطق المصنّفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، لتصل إلى حدود مناطق "ب" الخاضعة للسيطرة الإدارية الفلسطينية.

أحدث أقدم