Adbox

العربي الجديد - لا يقتصر استهداف الاحتلال الإسرائيلي للأغوار الفلسطينية على مصادرة الأرض وتجريفها أو التضييق على المزارعين والرعاة، إذ باتت المياه نفسها هدفاً مباشراً لعمليات الهدم والردم والتخريب، في وقت يعتمد فيه سكان المنطقة على الآبار والمنشآت المائية لريّ آلاف الدونمات الزراعية وسقاية المواشي وتأمين احتياجاتهم الأساسية. يأتي ذلك بالتوازي مع مواجهة المنطقة قيوداً على الحركة والوصول إلى الأراضي، ومصادرة مساحات زراعية، وتجريفاً للحقول، واعتداءات من المستوطنين، ما يجعل فقدان المياه عاملاً إضافياً يضاعف الضغوط على السكان. بالتالي، لا تبدو عمليات ردم الآبار حدثاً منفصلاً عن عمليات تجريف الأراضي وإتلاف شبكات الري، بل جزءاً من واقع يواجه فيه المزارع الفلسطيني خسارة الأرض والماء في الوقت نفسه. ومع كل بئر تُردم، تتقلص قدرة المزارعين على زراعة أرضهم، وتزداد كلفة البقاء فيها، بينما تتحول معركة المياه إلى واحدة من أبرز جبهات الصراع على الأرض في الأغوار الفلسطينية.

ولا تتوقف الإجراءات عند الآبار؛ إذ شملت الاعتداءات الأخيرة هدم منشآت مائية وبرك زراعية، وتخريب مضخات وخطوط ري، إضافة إلى اعتراض صهاريج مياه وعرقلة وصولها إلى التجمعات السكانية، بحسب إفادات محلية. وتكتسب هذه الإجراءات خطورة إضافية في مناطق الرعي، حيث تعتمد الأسر على المياه ليس فقط لري المزروعات، وإنما أيضاً لسقاية الأغنام والأبقار التي تشكل مصدراً أساسياً للدخل.

ردم آبار في الأغوار

وللمرة الثالثة، خلال أقل من خمس سنوات، تردم قوات الاحتلال الإسرائيلي بئر المياه التي يملكها المزارع حذيفة صوافطة (55 عاماً) في قرية عاطوف الأغوار الشمالية، ما تسبّب له بخسائر مالية فادحة، ونزوحه هذه المرة من المنطقة التي يقطن فيها مع عائلته، بحثاً عن مأوى جديد لهم ولماشيته التي تقدر بنحو 100 رأس من الغنم، بعدما لم يعد قادراً على توفير الماء. الهدم الذي وقع قبل أيام، طاول منشآت ثلاث آبار مياه ارتوازية في عاطوف والرأس الأحمر، وعاد الاحتلال بعد ذلك ليتلف خط المياه الناقل للمنطقتين، ما يعني عدم وصول قطرة ماء واحدة للأهالي هناك.

يقول صوافطة لـ"العربي الجديد" إن "مستوطنين دمروا أجزاء من الخط الرئيسي الناقل للمياه، والذي يغذي المحاصيل الزراعية والعائلات، فيما استكملت جرافة عسكرية تابعة لجيش الاحتلال المهمة وخلعت الأنابيب من مكانها وأتلفتها بالكامل". ويشير إلى أن هذا الاعتداء تسبّب بانقطاع المياه عن نحو 30 عائلة فلسطينية من مربي الماشية، ونحو 8 آلاف دونم من الأراضي المزروعة بالمحاصيل المروية.

من جهته، يقول رئيس المجلس القروي في عاطوف والرأس الأحمر عبد الله بشارات لـ"العربي الجديد"، "إن قوات الاحتلال أكملت ردم الآبار وهدمت المنشآت الإسمنتية المقامة فوقها"، موضحاً أنها كانت تزود نحو 7500 دونم من أراضي سهل البقيعة بالمياه.

ولا تتوقف خسائر هذه العمليات عند قيمة المنشآت التي يجري تدميرها، إذ ترتبط الآبار بشبكة واسعة من النشاط الزراعي الذي يعتمد عليها في منطقة تعد من أبرز المناطق المنتجة للمحاصيل الزراعية في الأغوار الشمالية. وتشهد المنطقة، منذ أشهر، عمليات تجريف ينفذها الاحتلال بهدف شق طريق عسكري من حاجز عين شبلي جنوب شرق طوباس، باتجاه حاجز تياسير شرق المدينة، بطول 22 كيلومتراً وعرض 50 متراً، يمر جزء منه من سهل عاطوف والرأس الأحمر.

ومن بين أصحاب الآبار المستهدفة المزارع نظير بني عودة، الذي يقول لـ"العربي الجديد" إنه أنشأ بئره في عاطوف عام 2018، بتمويل شخصي بلغ نحو 1.5 مليون شيكل (نحو 508 آلاف دولار)، بعدما استثمر سنوات في تجهيزها وتشغيلها، ولاحقاً تحوّلت البئر بعد تشغيلها إلى مصدر مياه لنحو 500 مزارع، كانوا يعتمدون عليها لري أراضيهم، سواء أصحاب المساحات الصغيرة أو المزارعون الذين يزرعون عشرات الدونمات. ويشير عودة إلى أن الخسارة الناجمة عن ردم البئر تتجاوز قيمة المنشأة نفسها، لأن مئات العائلات ترتبط مصادر دخلها باستمرار المياه والزراعة. ويضيف: "نحن لا نتحدث عن بئر فقط، بل عن مصدر رزق لمئات العائلات التي كانت تعتمد عليها"، محذراً من أن فقدان المياه يعني تهديد آلاف الدونمات الزراعية واستثمارات بملايين الشواكل. ولكن بالنسبة إلى بني عودة، فإن المعركة لا تتعلق فقط بما أنفقه في إنشاء بئره، بل بما يمثله الماء من شرط أساسي لاستمرار الحياة الزراعية، قائلاً: "إذا فقدنا المياه في هذه المنطقة، فقدنا كل شيء".

مشروع "الخيط القرمزي"

تأتي عمليات ردم الآبار في وقت تتعرض فيه المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو بالضفة الغربية ومنطقة الأغوار برمتها، لخسائر زراعية واسعة منذ مطلع العام، بالتزامن مع أعمال تجريف تنفذها سلطات الاحتلال ضمن مشروع يسمى "الخيط القرمزي"، الذي يتضمن شق طريق عسكري وإقامة قسم جديد من جدار الفصل على أراضي المواطنين في طوباس والأغوار الشمالية.

وأدت أعمال التجريف إلى اقتلاع أشجار ومحاصيل من مئات الدونمات وإتلاف خطوط مياه زراعية رئيسية، ما تسبّب، وفق المعطيات المحلية، في انقطاع المياه عن نحو 30 ألف دونم من أراضي سهل البقيعة وإتلاف محاصيلها، أي ما يعادل نحو ثلث مساحة السهل البالغة قرابة 96 ألف دونم.

ويرى الناشط في رصد الاستيطان فارس فقهاء، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن استهداف الآبار لا يمكن فصله عن مستقبل الزراعة في المنطقة، فهي كانت تنتج آلاف الأكواب يومياً وتستخدم لري مساحات واسعة من الأراضي، بما فيها الزراعات المكشوفة والبيوت البلاستيكية. ويوضح أن منطقة عاطوف وسهل البقيعة تنتج البطاطا والبصل والجزر والخضروات المختلفة، إلى جانب التمور والعنب ومحاصيل أخرى، مشيراً إلى أن جزءاً من المنتجات الزراعية يصل إلى الأسواق الخارجية.

ويحذر فقهاء من أن فقدان مصادر المياه سيحوّل مساحات زراعية منتجة إلى أراضٍ بور، ويضعف قدرة المزارعين على البقاء فيها، خصوصاً أن المياه تمثل الأساس الذي تقوم عليه الزراعة وتربية المواشي في الأغوار، مضيفاً أن تجفيف مصادر المياه أو تعطيلها يترك آثاراً تتجاوز القطاع الزراعي إلى التركيبة السكانية للمنطقة، مضيفاً "المياه هي سبب وجود الفلسطيني في الأغوار، والزراعة هي سبب بقائه".

ولا تقتصر عمليات ردم الآبار على الأغوار الشمالية، إذ شهدت مناطق أخرى في الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة اعتداءات مماثلة. ففي قرية دير أبو ضعيف، شرقي جنين، ردمت قوات الاحتلال قبل أيام، أربع آبار تستخدم للشرب والزراعة، وفق إفادات محلية. ويقول المواطن خالد ياسين، لـ"العربي الجديد"، إن جرافة عسكرية ترافقها آليات أخرى هدمت الآبار وأتلفت معداتها، مشيراً إلى أن خسارة إحدى المنشآت من مضخة وتجهيزات تجاوزت 35 ألف دولار. وقبل نحو عشرة أشهر، ردمت قوات الاحتلال قرابة 20 بئراً في قرية كفرذان غربي جنين، ما أثار مخاوف بشأن مستقبل مصادر المياه في المنطقة التي تعتمد على الآبار في تزويد السكان بالمياه واستخدامها في الزراعة.

ويقول المزارع جابر محمد العابد لـ"العربي الجديد" إن "كفرذان تعد مصدراً مائياً مهماً للقرى المحيطة، وإن استهداف آبارها بالهدم أو الإغلاق بحجة عدم الترخيص يهدد مياه الشرب والزراعة في منطقة واسعة". ويلفت العابد إلى أن ذلك دفع السكان إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار مرتفعة، رغم وجود مصادر مائية قريبة.

ويأتي تدمير الآبار ضمن واقع أوسع تفرض فيه إسرائيل سيطرة واسعة على مصادر المياه الفلسطينية منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967. وتشير دراسات وتقارير فلسطينية ودولية إلى أن إسرائيل تسيطر على الجزء الأكبر من موارد المياه الجوفية في الضفة الغربية، لا سيما "الحوض الجوفي الغربي والشمالي الشرقي والشرقي"، بينما يخضع حفر الآبار الجديدة وتعميق الآبار القائمة وترميم العديد من المنشآت المائية لإجراءات وموافقات إسرائيلية معقدة. وتتركز أهمية ذلك في الأغوار، التي تمتلك موارد مائية وأراضي زراعية واسعة، لكنها تواجه قيوداً كبيرة على استثمار الفلسطينيين لهذه الموارد، في مقابل توسع المستوطنات والنشاط الزراعي الاستيطاني.

وتشير بيانات أممية سابقة إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يحصلون على كميات أقل بكثير من المياه مقارنة بالمستوطنين، في ظل تفاوت واضح في معدلات الاستهلاك والوصول إلى الموارد. وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً في الأغوار، حيث يعيش الفلسطينيون بالقرب من مصادر مياه جوفية وينابيع، لكنهم يواجهون قيوداً على الوصول إليها أو تطويرها، بينما تمتلك المستوطنات شبكات مياه ومنشآت زراعية حديثة تسمح بتوسيع الزراعة.


أحدث أقدم