خمس شهادات من داخل معسكرات التعذيب
هجار شيزاف ونير حسون
هآرتس بالعربي - منذ ثلاث سنوات، تحوّلت السجون الأمنية الإسرائيلية إلى معسكرات للتعذيب، وأصبح التجويع والعنف الشديد والجرب وظروف الاحتجاز القاسية جزءًا من الحياة اليومية لآلاف الأسرى الفلسطينيين. ولا تجري هذه الانتهاكات في الخفاء، بل في إطار سياسة معلنة جعل منها إيتمار بن غفير محورًا لحملته الانتخابية. وقد كُشفت تفاصيل هذه الممارسات في تحقيقات نشرتها أبرز وسائل الإعلام العالمية، وتقارير أصدرتها منظمات حقوق الإنسان، والتماسات قُدّمت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. ومع ذلك، ظلّ المجتمع الإسرائيلي غير مكترث.
لم يُبدِ قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية بدورهم اهتمامًا يُذكر. فبعد مماطلة وتأجيلات متكررة، أصدروا حكمين ضد هذه السياسة؛ ففي أيلول/سبتمبر 2025، أمروا بتوفير غذاء كافٍ وملائم للأسرى، وفي حزيران/يونيو من العام الجاري، أمروا مصلحة السجون الإسرائيلية بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر باستئناف زياراتها للسجون. لكنّ الحكمين لم يُحدثا، على ما يبدو، أي تغيير يُذكر على أرض الواقع. فباستثناء تعديلات طفيفة على الوجبات الغذائية، لا تزال سياسة التجويع المتعمّد مستمرة، فيما لم يُسمح لمندوبي الصليب الأحمر حتى الآن بدخول السجون. وفي القضيتين، قُدّمت طلبات إلى المحكمة لاتخاذ إجراءات بحق السلطات لعدم امتثالها لأحكامها، بينما رُفض التماس يتعلّق بعلاج الأسرى المصابين بالجرب. أما العنف والتنكيل اللذان يطاولان مختلف جوانب حياة الأسرى، فلا يزالان مستمرَّين دون رادع.
في أيلول/سبتمبر الماضي، بلغ عدد الأسرى الأمنيين في السجون الإسرائيلية 9,329 أسيرًا، لكنّ 16% منهم فقط وُجّهت إليهم لوائح اتهام وأُدينوا أمام المحاكم. أما البقية، فيتوزّعون بين موقوفين على ذمّة التحقيق أو المحاكمة (34%)، ومعتقلين إداريين (34%)، وآخرين تصنّفهم إسرائيل "مقاتلين غير شرعيين"، وهو تصنيف لا يعترف به القانون الدولي، ويتيح احتجاز فلسطينيين من قطاع غزة وسوريين ولبنانيين من دون منحهم حقوق أسرى الحرب أو الموقوفين جنائيًا.
وبحسب بيانات قدّمتها مصلحة السجون الإسرائيلية العام الماضي، فقد أفرجت منذ اندلاع الحرب عن مئات الأسرى شهريًا، بمعزل عن صفقات تبادل الأسرى والمحتجزين. ففي عام 2024، على سبيل المثال، أُفرج عن نحو خمسة آلاف أسير، رغم عدم إبرام أي صفقة تبادل خلال ذلك العام. وفي معظم الحالات، يُفرج عن الأسرى بعد انتهاء فترات اعتقالهم، سواء الإداري أو العادي، من دون تقديمهم للمحاكمة أو إدانتهم. ويضع الإفراج عن مئات الأسرى الأمنيين شهريًا ادعاءات بن غفير بأنهم "إرهابيون" أو أسرى خطرون موضع تساؤل.
خمسة أسرى أُفرج عنهم خلال العام والنصف الماضيين قرّروا كسر الصمت، ورووا لملحق "هآرتس" ما يجري خلف قضبان معسكرات التعذيب التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية. أما أسرى محرّرون آخرون، ولا سيما من سبق أن خضعوا للاعتقال الإداري، فرفضوا الإدلاء بشهاداتهم خشية التعرّض للانتقام. فقد الخمسة ما بين 15% و50% من أوزانهم بسبب التجويع، وتعرّضوا جميعًا لضرب مبرح أدّى إلى كسور في العظام. ورووا كيف يفتك مرض الجرب بالأسرى، ووصفوا العقوبات الجماعية الوحشية والإهانات اليومية وحالة الرعب التي تهيمن على حياتهم داخل السجون. وتكرّر في شهاداتهم اسم وحدة "كتر" التابعة لمصلحة السجون، وهي وحدة التدخّل والاستجابة الأولية، بوصفها الجهة التي تقف وراء أشدّ ممارسات العنف والتنكيل.
أُفرج عن الأسرى الخمسة الذين أُجريت معهم المقابلات بين نيسان/أبريل 2025 وتموز/يوليو 2026، بعد احتجازهم في سجون مجيدو ونفحة وكتسيعوت وعوفر والدامون، الذي تُحتجز فيه الأسيرات الفلسطينيات. وجميعهم من سكان الضفة الغربية. وثمة إجماع على أن ظروف احتجاز المعتقلين من قطاع غزة أشدّ سوءًا.
"اقتحم السجّانون القسم وأطلقوا الرصاص المطاطي على أسرى عراة داخل الحمّامات"
علي سمودي، صحافي، 59 عامًا
يصعب استيعاب الفارق بين صورتَي الصحافي علي سمودي قبل اعتقاله وبعد الإفراج عنه. يقول سمودي، الذي أمضى عامًا رهن الاعتقال الإداري: "دخلت السجن ووزني 120 كيلوغرامًا، وكنت أعاني مرضَين، هما السكري وارتفاع ضغط الدم. خرجت منه بعدما فقدت 60 كيلوغرامًا من وزني، وأصبحت أعاني عشرة أمراض. أعاني صداعًا حادًا تسبّب لي بفقدان الوعي، وآلامًا شديدة في الأذنين، ومشكلات في العينين، وآلامًا في المعدة والقولون، وتسارعًا في ضربات القلب، والتهابًا حادًا في المسالك البولية، وآلامًا ناجمة عن تمزّقات في اليد والظهر، والتهابًا في الأوتار"، يروي بعد أيام قليلة من الإفراج عنه.
سمودي صحافي معروف من مدينة جنين، عمل على مدار سنوات مع وسائل إعلام دولية، بينها شبكتا "سي إن إن" و"رويترز". اعتُقل في أواخر نيسان/أبريل 2025، واحتُجز في سجنَي النقب (كتسيعوت) ومجدو. وفي الأيام الأولى لاعتقاله، ادّعى الجيش الإسرائيلي أنه مشتبه بنقل أموال إلى حركة الجهاد الإسلامي، وهي تهمة ينفيها سمودي بشدّة. وبعد عام من الاعتقال، أُفرج عنه من دون تقديم لائحة اتهام بحقّه. ليس اللجوء إلى الاعتقال الإداري أمرًا استثنائيًا في التعامل مع الصحافيين الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال الحرب. فبحسب بيانات لجنة حماية الصحافيين (CPJ)، اعتقلت إسرائيل منذ اندلاع الحرب 110 صحافيين فلسطينيين، بينهم 73 من الضفة الغربية، واحتُجز 46 منهم رهن الاعتقال الإداري.
![]() |
| علي سمودي، الذي أمضى عامًا رهن الاعتقال الإداري وأُفرج عنه دون توجيه أي تهمة إليه. فقد 60 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترة اعتقاله צילום: فايز ابو رميلة |
أمضى سمودي الأشهر الأولى من اعتقاله في سجن كتسيعوت. ويروي: "كانوا يقيّدون أيدينا خلف ظهورنا وأرجلنا أيضًا، ثم يُلقوننا أرضًا ويدوسون علينا وينهالون علينا بالضرب. أُصبت بجروح بالغة في يديّ ورجليّ جرّاء اعتداءات السجّانين. وكانت الاقتحامات تجري بحسب مزاجهم؛ أحيانًا كل يوم، وأحيانًا مرة في الأسبوع. في كانون الأول/ديسمبر، زار السجن وفد موفد من رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية. شرحنا لأعضائه أوضاعنا، ووعدونا بتحسينها. وبعد أسبوع، نُقلنا من سجن النقب إلى سجن مجدو، لكنّ الأوضاع لم تتحسّن، بل ازدادت سوءًا. في سجن مجدو، حلقوا رؤوسنا ولحانا. كان يُحتجز عشرة أسرى في كل غرفة؛ ستة منهم ينامون على الأسرّة، والأربعة الآخرون على الأرض. أعطونا قطعة واحدة من الملابس الداخلية لكل أسير، فكنا نضطر إلى غسلها والبقاء من دون ملابس داخلية حتى تجفّ".
"عندما كانوا يريدون معاقبة أحد الأسرى، كانوا يجبرونه على التعرّي تمامًا، سواء كان شابًا أو مسنًّا، ثم يضربونه بأنبوب سميك على مختلف أنحاء جسده. وكان ذلك يحدث إذا تأخّر أحد الأسرى أثناء الاستحمام، أو تحدّث خلال الفورة مع أسير من غرفة أخرى. في اليوم الثالث من شهر رمضان، اقتحم السجّانون قسمنا وهم يحملون أسلحتهم، وأطلقوا الرصاص المطاطي على الأسرى بينما كانوا عراة داخل الحمّامات. حدث ذلك من دون أي سبب، فقط لترهيبنا وإيصال رسالة مفادها أنّنا سنتعرّض للعقاب إذا أدّينا الصلاة جماعة أو رفعنا أصواتنا أثناء الصلاة".
"في سجن كتسيعوت، كانوا يقيّدون أيدينا خلف ظهورنا وأرجلنا أيضًا، ثم يُلقوننا أرضًا ويدوسون علينا وينهالون علينا بالضرب. وكانت الاقتحامات تجري بحسب مزاجهم؛ أحيانًا كل يوم، وأحيانًا مرة في الأسبوع"
"على وجبة الإفطار، كنا نحصل على ربع ملعقة من المربّى وملعقة من اللبنة، وأحيانًا أقلّ من ذلك، لكن أبدًا ليس أكثر. وكان نصيب كل أسير عشر شرائح صغيرة من الخبز طوال اليوم. أما وجبة الغداء، فتتكوّن من أربع ملاعق من الأرز، وشريحتين رقيقتين من الخيار، وشريحتين رقيقتين من البندورة، وملعقة من الفاصولياء. وفي العشاء، نحصل على ملعقة من الطحينة، وملعقتين من الحمّص، وبيضة مسلوقة. يوم السبت لا يقدّمون الأرز، لكنّهم يعطوننا قطعة صغيرة من الشنيتسل. ويوم الثلاثاء يضيفون قطعة صغيرة من لحم الحبش، ويوم الأربعاء قطعتين صغيرتين من النقانق. لا ملح ولا سكّر ولا قهوة. ولكل أسير أقلّ من ربع كوب من الشاي. وأحيانًا كانوا يقدّمون لنا حمّصًا منتهي الصلاحية، فنضطر إلى رميه".
"من الواضح أنّ هذه الكميات لا تكفي لإطعام قطّ أو طفل صغير. كانوا يعطوننا ما يكفي فقط لنتمكّن من الوقوف والجلوس أثناء التعداد اليومي للأسرى. وهذا التجويع تسبّب بأمراض مثل التي أعانيها؛ فقد كنت أفقد الوعي، ثم أستيقظ لأجد نفسي ملقىً على الأرض. كانت فترة عيد الفصح اليهودي الأسوأ من حيث الطعام. كنا نحصل على أربع قطع من خبز الفطير يوميًا، وعلى حبة بطاطا مسلوقة وبيضة مسلوقة في الصباح، وتتكرّر الوجبة نفسها ظهرًا ومساءً. وبعد انتهاء العيد، وزنونا، وتبيّن أنّ كل واحد منّا فقد ما بين كيلوغرامين وثمانية كيلوغرامات من وزنه. كانوا يزنوننا مرة كل شهرين، والأسرى الذين انخفضت أوزانهم إلى 30 أو 40 كيلوغرامًا كانوا ينقلونهم إلى غرفة خاصة، ويضيفون إلى وجباتهم كمية صغيرة من الطعام، لكنها لم تكن كافية لتعويض النقص الحاد في الغذاء أو الضعف الذي أصاب أجسادهم. رأيت أسرى لم تتجاوز أوزانهم 35 أو 40 أو 45 كيلوغرامًا".
![]() |
| سمودي خلال تغطيته عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، كانون الثاني/يناير 2025. يصعب استيعاب الفارق بين صورته قبل الاعتقال وبعده |
"تحوّلت السجون إلى مقابر للأحياء. فالأسير الذي يحتاج إلى مراجعة العيادة الطبية يضطر إلى تكرار طلبه مرارًا، وحتى عندما يُفحص، لا يتلقّى العلاج اللازم. بات الأسرى يكرهون الذهاب إلى العيادة أو المستشفى أو المحكمة أو لقاء المحامين، لأنهم يتعرّضون للضرب في الطريق. ولهذا، يرفض كثيرون منهم الذهاب إلى العيادة أصلًا. وإذا طلبتَ مراجعة الطبيب، تنهال عليك الشتائم. كانوا يقولون لنا: "اذهبوا إلى الله أو إلى غزة لتشفيكم". "ذات مرة، فقدتُ الوعي وسقطتُ على رأسي، فنقلوني إلى العيادة. أعطوني حبّة أكامول ووضعوا اليود على موضع الإصابة. ثم قال لي ضابط الأمن: "انهض وارجع إلى القسم، لا نستطيع أن نركّب لك رأسًا جديدًا".
"في إحدى الليالي، سمعنا صراخًا. وعندما سألنا عمّا يجري، أخبرونا أنّ أحد الأسرى مريض وأنهم يطالبون بإحضار طبيب له. لكنّ الأطباء لا يأتون عندما نطلبهم. وفي التعداد الصباحي، كرّر الأسرى طلبهم من أحد الضباط استدعاء طبيب، بعدما تدهورت حالة الأسير. استمرّوا في المماطلة حتى السابعة والنصف صباحًا، ثم سمحوا لأسيرين بحمله على فرشة وإخراجه إلى ساحة القسم. واستغرق وصول المسعف نصف ساعة أخرى، وربما ساعة، وخلال ذلك الوقت ازدادت حالته سوءًا. كان اسمه لؤي تركمان، وقد فارق الحياة أمام أعينهم. وبعد وفاته، نقلوه إلى المستشفى. أنا صحافي حرّ ومستقل، أعمل ميدانيًا منذ عشرات السنين. لم أشكّل يومًا، ولن أشكّل، أي تهديد لأمن إسرائيل. طوال أربعين عامًا سبقت اعتقالي، لم أُستدعَ للتحقيق ولو مرة واحدة، ولم أُحتجز أو أتلقَّ أي تحذير. أُصبتُ ثماني مرات برصاص الجيش الإسرائيلي، وكانت آخرها يوم قتلوا زميلتي شيرين أبو عاقلة".
"لا يوجد أي مبرّر لاعتقالي سوى عملي الصحافي. ربما أغضبهم أنني سافرت إلى جنيف وأدليت بشهادتي بشأن مقتل شيرين، أو أنني قدّمت شكوى ضدهم إلى المحكمة الجنائية الدولية على خلفية مقتلها. اعتقالي جزء من استهداف متعمّد للصحافة الفلسطينية. إسرائيل لا تريد شهودًا على أفعالها، ولا تريد لأحد أن ينقل هذه الصور إلى العالم".
"أجبرونا على الاستلقاء على بطوننا، مقيّدات الأيدي ومعصوبات الأعين. انهالوا علينا بالضرب حتى تكسّرت أسناني"
هبة علاوي، 38 عامًا
هبة علاوي، أم لخمسة أبناء من بلدة الظاهرية، أمضت خمسة أشهر ونصف الشهر في سجن الدامون، بعد محاولتين لدخول إسرائيل من دون تصريح بحثًا عن عمل. وبحسب اتفاق الإقرار بالذنب الذي أُدينت بموجبه، والذي لم يتضمّن أي تهمة أمنية، فإنّ علاوي هي المعيلة الوحيدة لأسرتها، ولا سوابق جنائية لها. وأبلغت القاضي بأنها تعاني مرضًا في القلب، وأنها لا تتلقّى الأدوية التي تحتاج إليها داخل السجن. وحُكم عليها في البداية بالسجن أربعة أشهر، إلى جانب غرامة مالية، لكنّ عجزها عن دفع الغرامة أدّى إلى تمديد حبسها شهرًا ونصف الشهر إضافيًا. وعندما أُفرج عنها في تموز/يوليو الماضي، كانت قد فقدت 36 كيلوغرامًا من وزنها.
تروي علاوي عن سجن الدامون، وهو السجن الوحيد الذي تُحتجز فيه الأسيرات الفلسطينيات: "في شهر آذار/مارس، شهدنا واحدًا من أعنف الاقتحامات. ألقوا ثلاث قنابل غاز في ساحة القسم، وانتظروا حتى تصاعد الدخان، ثم صرخوا في وجوهنا وأمرونا بالاستلقاء على بطوننا. اقتحموا غرفتنا، وداسوا على أرجلنا وضربونا، ثم أمسكوا بأيدينا وقيّدوها بأربطة بلاستيكية، وشدّوها عمدًا حتى تؤلمنا. جرّونا إلى الساحة وعصبوا أعيننا بأشرطة مشدودة بقوة لتضغط على رؤوسنا. في البداية، حاولوا وضع عصابة على عينيّ، لكنها لم تتّسع لرأسي. ثم جاءت سجّانة أخرى وصفعتني مرتين بكل قوتها، وشدّتني بعنف من شعري، قبل أن تضع العصابة على عينيّ. جرّتني وأنا حافية القدمين. وإذا رأوا إحدى الأسيرات تحاول أخذ حذائها، كانوا يضربونها على رجليها. تعرّضت بعض الأسيرات لضربات شديدة على الرأس. أما أنا، فضربوني حتى تكسّرت أسناني. وداس أحد السجّانين على أصابع قدميّ بعنف، حتى اقتُلع أحد أظافري".
![]() |
| هبة علاوي، التي اعتُقلت بعد محاولتها دخول إسرائيل دون تصريح بحثًا عن عمل. تروي كيف أقدمت سجّانة على تصوير أسيرة وهي عارية. צילום: فايز ابو رميلة |
"بينما كنا مستلقيات على الأرض، ومن شدّة الرعب، نطقتُ بالشهادتين، فقال لي أحد السجّانين: "اه صلّي واستدعي على حياتك". وكانت هناك أسيرة تتلو آيات من القرآن من شدّة خوفها، فوجّهوا فوهة بندقية إلى رأسها. تركونا ملقيات على الأرض نحو ساعة، وهم يصوّروننا ويكيلون لنا الشتائم. وبينما كنا جميعًا مستلقيات، ألقوا قنبلة صوتية أخرى عند أقدامنا. أصابني دويّ الانفجار برعب شديد، وما زلت حتى اليوم أخاف كل ليلة. حتى الآن، إذا سمعت أي صوت في البيت، ولو كان صوت مفتاح في الباب، تعود إليّ تلك المشاهد ولا تفارق ذهني؛ كيف جرّونا، وماذا فعلوا بنا. تعرّضتُ للضرب مرتين أخريين خلال اعتقالي. في المرة الأولى، ضربوني على رأسي ورشّوني بالغاز، وفي الثانية ضربوني على بطني. ظللت أنزف لمدة 15 يومًا، وأنا الآن بحاجة إلى عملية جراحية بسبب الضرر الذي لحق برحمي".
"طوال الأيام الـ170 التي قضيتها في السجن، كانت وجبة الإفطار تتكوّن من ملعقة لبنة وكمية ضئيلة جدًا من المربّى لا تتجاوز طرف الملعقة. وكنا نحصل على ست شرائح من الخبز تكفينا طوال اليوم؛ أحيانًا كان الخبز يابسًا، وأحيانًا مشبعًا بالماء، وأحيانًا قديمًا. أما الغداء، فكان في معظم الأيام ملعقتين من العدس، وملعقتين من الحمّص، وملعقتين من الأرز، الذي كان يُقدَّم أحيانًا مطبوخًا وأحيانًا غير ناضج. ويومَي السبت والثلاثاء، كانوا يعطوننا قطعة من شنيتسل الدجاج غير الصالح للأكل، وأحيانًا كانت نيئة وتنبعث منها رائحة كريهة. وفي يومين من الأسبوع، كنا نحصل على ملعقة صغيرة من سمك التونة. وكانوا يقدّمون لنا أيضًا الخيار والبندورة، لكنهما كانا فاسدَين تمامًا. وفي العشاء، كنا نحصل على ملعقة من الطحينة وملعقة من الحمّص، وبيضة نيئة أو فاسدة أو مجمّدة. كنا نرمي البيض، لكنّ بعض الأسيرات كنّ يأكلنه من شدّة الجوع".
"كانت هناك سجّانة شديدة الوحشية. خلال الاقتحامات، كانت تتحسّس أجساد الأسيرات وتُخضعهن للتفتيش عاريات. وفي يوم الإفراج عني، أمرتني بخلع جميع ملابسي، وطلبت مني أيضًا الانحناء وفتح ساقيّ. رفضتُ، فبدأت تصرخ في وجهي وتصعقني بمسدس كهربائي".
"كنا نحتفظ بوجبات الإفطار والغداء والعشاء لنجمعها ونتناولها دفعة واحدة، علّنا نشعر بالشبع. وفي بعض الأيام، كانوا يقتحمون الزنزانة ويرمون كل ما لدينا من طعام وملابس وفرشات. كانت بيننا أسيرات يتناولن أدوية بانتظام، لكنّ السجّانين كانوا يصادرون أدويتهن خلال الاقتحامات. حتى الأسيرات الحوامل لم يتلقّين أي مساعدة، مهما بلغ بهنّ الإرهاق أو ارتفعت حرارتهن أو اشتدّ جوعهن. أما الأسيرات القاصرات، فكنّ محتجزات وحدهن في زنزانة، ويقضين لياليهن في البكاء. كنّ يعانين سوء تغذية حادًا، ولم يكن يُسمح لهن بالاستحمام سوى مرة واحدة في الأسبوع".
"خلال شهر رمضان، ازدادت الاقتحامات كثيرًا، وتدهورت نوعية الطعام أكثر. كنا نحصل على كمية من الأرز لا تكفي حتى لإطعام طفل صغير. وفي إحدى الليالي، بعدما انتهينا من تناول الطعام وبدأنا الصلاة، ألقوا علينا قنبلة صوتية، وانهالوا علينا بالضرب، ثم جرّونا إلى الساحة وجعلوا الكلاب تسير فوق رؤوسنا. وفي تلك الأثناء، اقتحموا زنازيننا ورموا كل الطعام الذي ادّخرناه لنتناوله في السحور قبل بدء الصيام. كما أفرغوا زجاجات المياه التي كنا نملؤها ونتركها حتى تترسّب منها مادة الكلور ونتمكّن من شربها، وسكبوا محتوياتها على ملابسنا. كانت كل أسيرة تحصل على ثلاث فوط صحية فقط، وإذا عثر السجّانون عليها، كانوا يبعثرونها. وبسبب النقص الشديد، اضطررنا إلى صنع فوط صحية من المناديل الورقية أو قطع الملابس".
"انتشر مرض الجرب بسرعة في القسم. بدأت الإصابة بي وبأسيرة أخرى، وعندما راجعنا العيادة، قالوا لنا إنّ السبب هو الملابس المغسولة. لم يكن لدينا سوى قطعتين من الملابس، ولم يكونوا يسمحون لنا بالاستحمام، فمن الطبيعي أن نُصاب بالجرب في ظل هذه الظروف. ذات مرة، منعونا من الاستحمام أو الخروج إلى الساحة ثمانية أيام متواصلة، من دون أي سبب. كنت في حالة ضعف شديد، ولذلك نقلوني، قبل ثلاثة أسابيع من الإفراج عني، إلى زنزانة تضمّ أسيرات حوامل".
"كانت هناك سجّانة شديدة الوحشية. خلال الاقتحامات، كانت تتحسّس أجساد الأسيرات وتُخضعهن للتفتيش عاريات. وفي يوم الإفراج عني، أمرتني بخلع جميع ملابسي، وطلبت مني أيضًا الانحناء وفتح ساقيّ. رفضتُ، فبدأت تصرخ في وجهي وتصعقني بمسدس كهربائي. وقد تقدّمت أسيرتان بشكويين ضد سجّانات تحرّشن بهما. وصوّرت إحدى السجّانات أسيرة وهي عارية، ما تسبّب لها بصدمة نفسية شديدة. وبالفعل، لم تعد تلك السجّانة إلى القسم بعد ذلك".
"لم أعش في حياتي مشاعر قاسية كالتي عشتها في السجن. لا يمكن لأي إنسان أن يخرج من هناك سليمًا نفسيًا. حتى الآن، لا أكاد أستوعب أين أنا. عدت إلى الحياة، وأحاول نسيان ما مررت به، لكنني ما زلت أشعر كأنني أعيش كابوسًا. كل صوت أسمعه، سواء من أطفالي أو ممّن حولي، يعيد إليّ الشعور بأنني ما زلت داخل السجن".
"هل تعرفين كيف تبدو الهياكل العظمية؟ كنا نسمّيهم المزومبي"
سامر خويرة، صحافي، 45 عامًا
انهار سامر خويرة عندما رأى للمرة الأولى أسرى مصابين بالجرب داخل السجن. يقول: "هل تعرفين كيف يبدو الهيكل العظمي الذي يسير على قدميه؟ أرجلهم مضرّجة بالدماء، وصدورهم كذلك. أجسادهم مليئة بالبثور والجروح. بعضهم يسير على عكّازات، وبعضهم يستعين بمشايات طبية، وآخرون يتكئون بعضهم على بعض. كنا نسمّيهم الموتى الأحياء. يعجز العقل عن استيعاب ما تراه العين: شبّان ومسنّون، هزلت أجسادهم إلى حدّ مخيف. لم يبقَ على أذرعهم لحم، ولا ترى في وجوههم سوى اللحى والعيون".
هذا ما شاهده خويرة في سجن مجدو أواخر أيار/مايو 2025. ولم يكن يعلم حينها أنّه سيُصاب هو أيضًا بالجرب في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، أثناء احتجازه في سجن نفحة. وبحسب روايته، مرّت ثلاثة أشهر قبل أن يُعرض على طبيب لتلقّي العلاج.
![]() |
| سامر خويرة، الذي أمضى تسعة أشهر في الاعتقال دون توجيه لائحة اتهام إليه. لم يتعرّف عليه ابنه البالغ من العمر تسع سنوات بعد الإفراج عنه. צילום: إيتاي رون |
في مقابلة أجرتها معه إذاعة "حياة"، التي يعمل فيها، في تموز/يوليو الماضي، جسّد خويرة الطريقة البطيئة التي كان يسير بها الأسرى المصابون بالجرب، وكيف كانوا يُبعدون أيديهم عن أجسادهم خشية ملامسة الجروح. وعلى مدار ساعتين ونصف الساعة، روى تفاصيل رحلة العذاب التي عاشها خلال تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، تنقّل خلالها بين معسكر حوارة العسكري وسجنَي مجدو ونفحة. وحتى اليوم، لا يعرف خويرة سبب اعتقاله، إذ إنّ الاعتقال الإداري لا يستوجب تقديم لائحة اتهام.
يقول: "بعد أربعة أيام من اعتقالي، أخذوني للتحقيق. سألني المحقّق إن كان لديّ حساب على فيسبوك، ثم فتح صفحتي وقال: "أوه! انظر إلى هذا، أنت تحرّض ضدنا". سألته: كيف يكون هذا تحريضًا؟ نشرتُ صورة لشاب قتله الجيش في نابلس، وكتبتُ أنّ إسرائيل قتلت الشاب. هذا كل ما في الأمر؛ عنوان خبري وتقرير صحافي. أنا صحافي أغطّي الأحداث في فلسطين، لا في السنغال. عندما يقع حدث في نابلس، فمن الطبيعي أن أغطّيه".
لم يُقدَّم خويرة للمحاكمة، ولم تُعرض أي أدلة على ضلوعه في نشاط غير قانوني. وتضمّ صفحته على فيسبوك في معظمها أخبارًا وتقارير صحافية، لكنها تحتوي أيضًا على منشورات قد يصعب على القرّاء الإسرائيليين تقبّلها، بينها منشورات رثاء ليحيى السنوار، وصفه فيها بأنه قائد كبير.
أُفرج عن خويرة في كانون الثاني/يناير 2026، بعدما فقد 22 كيلوغرامًا من وزنه. ولم يتمكّن ابنه البالغ تسع سنوات من التعرّف إليه. وانتشر مقطع مصوّر قصير للحظات الإفراج عنه، ظهر فيه باكيًا وهو يروي ما تعرّض له داخل السجن. ونشرته قناة "أبو علي إكسبرس" الشهيرة على تلغرام، حيث حصد آلاف الإعجابات. أما موقع "عروتس 7" الإسرائيلي، فنشر المقطع تحت عنوان وصف فيه خويرة بأنه "إرهابي".
يروي خويرة: "كان يوم وصولنا إلى سجن نفحة أسوأ يوم في حياتي. طوال الطريق، كانت أرجلنا مقيّدة وأعيننا معصوبة. وأثناء النقل، كانوا يصفعوننا ويركلوننا ويدفعوننا بعنف. يجرّونك من الأصفاد كما تُساق الخراف، حتى تبدأ يداك بالنزف.
"عند دخول سجن نفحة، يُجبرونك على خلع جميع ملابسك. يطلبون منك الانحناء ليتأكّدوا من أنك لا تخبّئ شيئًا، ثم يقيّدون يديك خلف ظهرك. بعد ذلك، أخذونا واحدًا تلو الآخر إلى قفص معدني. في تلك الأثناء، دوّت صفارات الإنذار بسبب قصف قادم من إيران، فغادر السجّانون وتركـونا هناك". تجلس القرفصاء، فتشتدّ الأصفاد حول يديك، وتنقطع الدورة الدموية عنهما، ويبدأ الخدر يتسلّل إليهما حتى تفقد الإحساس بهما تمامًا. ولا طعام. بعد خمس أو ست ساعات داخل القفص، أوقفونا واحدًا خلف الآخر في طابور طويل، وأمروا كل واحد منّا بإحناء رأسه نحو ظهر الأسير الذي أمامه، ومنعونا من رفع رؤوسنا. ثم أحضروا حبلًا ومدّوه بيننا. أصبحنا مثل قطع الدومينو. جاء أحد الضباط وركل الأسير الأخير في الطابور على ظهره، فاصطدمنا جميعًا بعضنا ببعض. هكذا ساقونا، ثلاثين أسيرًا، وكان علينا جميعًا أن نتحرّك وننعطف من دون أن نرفع رؤوسنا، فكانت رؤوسنا ترتطم بالجدران والأبواب. وإذا داس الأسير الذي خلفك على السلسلة، تكاد تسقط أرضًا، وهم يضحكون. ومن يرفع رأسه يتلقّى صفعة أو ركلة. كان يومًا أسود".
ويتابع: "في سجن نفحة، كنت الشاويش، أي الأسير المسؤول عن توزيع الطعام. كنا نحصل يوميًا على عشر شرائح من الخبز. وكانت وجبة الإفطار تتكوّن من ملعقة لبنة وملعقة أو نصف ملعقة من المربّى. كنت أضع عشر صحون بلاستيكية رقيقة على الأرض، وأوزّع في كل صحن ملعقة لبنة. أما المربّى، فكنت أقيس كميته وفق الخطوط المرسومة على الكوب البلاستيكي؛ خط واحد، خطّان، ثلاثة خطوط. كنت أحرص على أن تكون الحصص متساوية بدقّة المليمتر، فلا يحصل أي أسير على كمية أكبر من غيره. كانت مهمة توزيع الطعام شاقّة للغاية".
"قوة من السجّانين كانت تقتحم القسم، ويُجبروننا جميعًا على الاستلقاء على بطوننا وأيدينا مقيّدة، ثم يُدخلون كلبًا وينهالون علينا بالضرب. أحيانًا يرشّون الغاز حتى نعجز عن التنفّس، وأحيانًا يلقون قنابل صوتية من دون أي سبب. وقد تحدث هذه الاقتحامات أيضًا في منتصف الليل، بينما نكون نائمين".
"كانت وجبة الغداء تختلف من يوم إلى آخر. يوم الأحد، كنا نحصل على كوب أو نصف كوب من شوربة العدس وملعقتين من الأرز. فكنا نفتّت الخبز ونخلطه بالأرز حتى تبدو الكمية أكبر. ويوم السبت، كانوا يقدّمون لنا نصف حبة بطاطا وقطعة من الشنيتسل، فنقطّعها ونوزّعها بالتساوي بين الأسرى، ثم نعود ونقسّم ما يتبقّى منها. أما العشاء، فكان يتكوّن من ملعقتين أو ثلاث ملاعق من الحمّص، وبيضة، وملعقتين من الطحينة. ومرتين في الأسبوع، كنا نحصل على ملعقة أو ملعقتين من سمك التونة، ومرة واحدة على النقانق".
"كل ما تملكه من أدوات أساسية هو كوب وصحن مصنوعان من بلاستيك رقيق للغاية. تسلّمت كوبي في 18 حزيران/يونيو، وأعدته في السابع من كانون الثاني/يناير. الكوب نفسه تمامًا. غسلته مئة مرة. هل تريدين سماع شيء مضحك؟ أحد الأسرى الذين أُفرج عنهم أعطاني كوبه، وكان ممزّقًا، فخاطوه بقطعة قماش من قميص وخيط، لأنه لا يوجد بديل عنه. وكنا نحصل على أربع لفّات من ورق المرحاض في الشهر".
"هناك ما يُسمّى "كَامياع"، وهي اقتحامات تنفّذها قوات من السجّانين للزنازين. تقتحم القوة الزنزانة، فنُجبر جميعًا على الاستلقاء على بطوننا وأيدينا مقيّدة، ثم يُدخلون كلبًا وينهالون علينا ركلًا بأقدامهم. أحيانًا يرشّون الغاز حتى نعجز عن التنفّس، وأحيانًا يلقون قنابل صوتية من دون أي سبب. وقد تحدث هذه الاقتحامات في منتصف الليل، بينما نكون نائمين؛ يتقدّمون بخطوات بطيئة، ثم يفتحون الباب ويبدأون برشّ الغاز والضرب. أحيانًا تتكرّر الاقتحامات يوميًا، وأحيانًا مرة في الأسبوع، ولا يمكنك توقّع موعدها".
"وفي بعض الاقتحامات، كانوا يلقون جميع أغراضنا على الأرض؛ الشامبو، ومعجون الأسنان، والفرشات، والبطانيات. وكانوا يأخذون أنابيب معجون الأسنان ويعصرونها ويدهنون محتوياتها على الفرشات. كنا نتجمّع معًا أثناء الاقتحامات لنحمي بعضنا بعضًا. ولأنني كنت الأكبر سنًا، كان الأسرى الشباب يحاولون حمايتي. وكان المسعف يرافق السجّانين خلال الاقتحامات، وأحيانًا يشارك في ضربنا وشتمنا. كنا نبقي رؤوسنا منخفضة طوال الوقت، لكننا كثيرًا ما كنّا نميّز وجوده من صوته. وأحيانًا كان يأتي بعد انتهاء الضرب، ويسأل إن كان أحد قد أُصيب، ثم يعطيه حبّة أكامول".
"ذات مرة، كنا في ساحة القسم، وفجأة بدأ السجّانون بإلقاء القنابل، وأطلقوا أربع أو خمس طلقات باتجاه الأرض، ثم جرّونا جميعًا إلى المراحيض التي كانت تغمرها المياه. كنا مقيّدي الأيدي. وبدأوا يأخذون الأسرى واحدًا تلو الآخر إلى الحمّامات، ويجرّدونهم من ملابسهم ويضربونهم ويصوّرونهم. لم يأخذوني، ولا أعرف السبب. كنا نسمع إطلاق النار والصراخ.
"بعد ذلك، عاد إلى زنزانتنا أسير يبلغ من العمر 21 عامًا، فخلع سرواله وأرانا بقعة دم يبلغ قطرها نحو خمسة سنتيمترات على مؤخرته. لم يكن قادرًا على المشي، لكنّ السجّانين هدّدوه بإطلاق النار عليه مجددًا إن لم يدخل الزنزانة. طوال الأيام العشرة التالية، لم يستطع المشي أو الأكل أو النوم، ولم يأتِ أي مسعف لعلاجه. وكان هناك أسير آخر في زنزانتنا أطلقوا عليه رصاصة مطاطية من مسافة مترين، لأنه تأخّر في تنفيذ الأوامر أثناء اقتحام الزنزانة.
"محاولة فهم ما يجري اليوم في سجن نفحة أشبه بمحاولة فهم ما يجري على كوكب المريخ. لا تمرّ دقيقة واحدة بصورة طبيعية، ولا دقيقة. وكان الخوف المستمر أحد الأسباب التي أدّت إلى مرضي. عندما أُصبت بالجرب، طلبت الذهاب إلى العيادة. كان ذلك في 12 أيلول/سبتمبر، لكنهم لم يأخذوني إليها إلا في 12 كانون الأول/ديسمبر. كنا عشرة أسرى في غرفة تضمّ ستة أسرّة، وكان ثلاثة منّا مصابين بالجرب. لم أعد قادرًا حتى على الجلوس. وعندما كنت أخلع ملابسي الداخلية، كنت أجد الدم والالتهابات والإفرازات الصفراء في كل مكان. كنت أتألّم طوال الوقت، ولا أستطيع النوم ليلًا. فكنت أمشي ذهابًا وإيابًا داخل الغرفة من شدّة الألم، من دون أي دواء يخفّفه".
"كانت العدوى في كل مكان؛ على الفرشة، وفي الملابس، وعلى الباب والجدران. لم تكن هناك أي إمكانية لعزل نفسك عن الآخرين. وفي أيلول/سبتمبر تقريبًا، بدأت أعاني أيضًا ألمًا شديدًا في أحد أسناني، حتى عجزت عن الأكل والنوم. هل تعرفين كيف حاولت علاجه؟ وضعت معجون الأسنان على موضع الألم مرة، ثم مرتين، ثم خمس مرات، لكن من دون جدوى. وبعد يومين، اقترح عليّ أحد الشباب أن أتمضمض بمادة مبيّضة تحتوي على الكلور. فعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا، فخفّ الألم قليلًا".
"عندما تخرج إلى ساحة السجن، ترى لافتة معلّقة تشرح حقوق الأسير بموجب القانون الدولي، من بينها الحق في الطعام والشراب والدواء. أحيانًا كان الأسرى يضحكون ويسألون السجّان: "متى ستطبّقون هذه الحقوق؟"، فيجيب: "عندما يوافق بن غفير". وإذا أخبرنا أحد السجّانين بأنّ أسيرًا في حالة صحية خطيرة، كان يردّ: "عندما يموت، نادوني لأضعه في كيس أسود". رأيت أسرى يفقدون وعيهم بسبب نقص الطعام والإرهاق والأمراض والحمّى".
"وسط كل هذه المآسي، كان الأسرى يجدون أحيانًا ما يضحكون عليه. مثلًا، لم يكن هناك شاي أو قهوة على الإطلاق. لذلك، عندما نستيقظ صباحًا، كان بعض الشباب يذهبون إلى صنبور الماء الساخن ويقولون: "لنتخيّل أنّ هذا شاي، أو نسكافيه، أو كابتشينو".
"من حين إلى آخر، كانوا يخبروننا بأنّ المحكمة أصدرت قرارًا هنا أو حكمًا هناك، لكنّ كل ذلك كان بلا جدوى. أعرف أنّ شيئًا لم يتغيّر حتى اليوم، لأنني، بصفتي صحافيًا، أجري مقابلات مع الأسرى المحرّرين. أحد الأسرى الذين أُفرج عنهم قبل ثلاثة أو أربعة أيام من السجن الذي كنت محتجزًا فيه، أخبرني أنّ الأوضاع ازدادت سوءًا. قبل أسبوعين من الإفراج عني، أخذوني للقاء أحد عناصر جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك). سألته: "لماذا اعتقلتموني؟ من حقي أن أعرف السبب. لا أريد العودة إلى السجن، لذلك أخبرني ماذا فعلت حتى لا أكرّره". فأجابني بأنه لا يوجد سبب مباشر، لكنني من حماس وأصدقائي من حماس. قلت له: "أنا لست من حماس، أنا إنسان متديّن. هل إذا كنتَ أنت متديّنًا، أناديك بن غفير؟".
"كنا ندّخر الطعام لنشعر بالشبع ولو ليوم واحد في الأسبوع. أطلقنا عليه اسم 'يوم الشبع'"
ربيع أبو نعيم، ناشط حقوقي، 35 عامًا
ربيع أبو نعيم، من قرية المغير في محافظة رام الله، ناشط يعمل إلى جانب متضامنين إسرائيليين لحماية الرعاة الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين. في كانون الثاني/يناير 2025، اعتدى عليه جنود إسرائيليون وعلى شقيقه بالضرب، ما أدّى إلى كسر ذراعه. وحاول أحد الجنود خلع سرواله، واعتدى عليه بطريقة تسبّبت بإصابة في عضوه التناسلي. ويقول أبو نعيم إنه عندما طلب تقديم شكوى إلى وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية الإسرائيلية، قوبل طلبه بالسخرية والضحك.
خلال السنوات الثلاث الماضية، طوّقت البؤر الاستيطانية قرية المغير، وأصبحت هدفًا لاقتحامات عسكرية متكرّرة. اعتُقل أبو نعيم قبل عام، في الليلة التي سبقت انطلاق موسم قطف الزيتون، بعدما استعدّ هو وناشطون آخرون لمساعدة المزارعين في جني محاصيلهم. وخلال النظر في الاستئناف المقدّم ضد اعتقاله، أقرّ قاضٍ عسكري بصحّة ما عرضته محاميته بشأن مشاركته في أنشطة سلمية إلى جانب إسرائيليين. ورغم ذلك، ظلّ معتقلًا تسعة أشهر في معسكر عوفر العسكري وسجن عوفر.
![]() |
| ربيع أبو نعيم، الذي يناضل ضد تصاعد عنف المستوطنين في محيط قريته. يقول إنه طوال 20 يومًا، لم يحصل في كل وجبة سوى على اللبنة وحبة خضار واحدة والخبز. צילום: إيتاي رون |
أمضيت 70 يومًا معتقلًا في معسكر عوفر. كان هناك نقص شديد في الطعام، وطوال عشرين يومًا لم نحصل في كل وجبة سوى على اللبنة، وحبة واحدة من الخضار، وأربع شرائح من الخبز. وقد تسبّب ذلك بمشكلات في المعدة لدى جميع الأسرى. لم يعطونا فراشي أسنان، وللاستحمام كنا نحصل على كمية قليلة من سائل غسل الصحون".
"كان السجّانون يقتحمون الغرف يوميًا، وينهالون علينا بالضرب، ويطلقون الكلاب لمهاجمتنا، ويصعقوننا بمسدسات كهربائية يضعونها على صدورنا. عندما تتعرّض للصعق، يتجمّد جسدك تمامًا. وكانوا يضربوننا على أعضائنا الحسّاسة وأضلاعنا وصدورنا. ذات مرة، اقتحموا الغرفة قبيل الفجر. فُتح الباب فجأة وألقوا قنبلة صوتية إلى الداخل، ثم صرخوا: "الجميع على بطونهم، استسلموا جميعًا". قيّدوا أيدينا وأخرجونا واحدًا تلو الآخر. صعقوني بالكهرباء بينما كنت مستلقيًا على بطني، ثم أجبروني على الوقوف، وأمسكوا بالأصفاد ولووا ذراعيّ بعنف".
"خلال الأيام السبعين التي قضيتها في المعسكر، فقدت 15 كيلوغرامًا من وزني. وعندما نُقلت إلى سجن عوفر، تحسّن وضع الطعام نسبيًا. ظلّت الكميات ضئيلة جدًا، لكنّ الوجبات أصبحت أكثر تنوّعًا. كل صباح، كنا نحصل على ملعقة من اللبنة وثلاث شرائح من الخبز. يوم السبت، كانت وجبة الغداء تتكوّن من قطعة صغيرة من الشنيتسل وثلاث حبات بطاطا يتقاسمها عشرة أسرى، ويحصل كل واحد منّا على ما بين سبع وعشر حبات زيتون وثلاث شرائح من الخبز. وفي مساء السبت، كنا نحصل على بيضة مسلوقة لكل أسير، وثلاث شرائح من الخبز، وملعقتين من سمك التونة، وملعقتين أو ثلاث من الطحينة، وحبتَي بندورة نتقاسمها بالتساوي بين عشرة أسرى".
"أما غداء الأحد، فكان يتكوّن من كمية من الأرز تعادل فنجان قهوة صغيرًا، وكوب من الحمّص، وكوب من العدس، وبيضة. وفي المساء، كانوا يقدّمون الكمية نفسها من الأرز، وكوبًا من الفاصولياء البيضاء، ونحو كوب من السلطة. في معظم الأحيان، لم يكن الأرز مطبوخًا جيدًا؛ إما غير ناضج وإما جافًا، وكانت الخضراوات فاسدة. أما البيض، فكانت تنبعث منه رائحة كريهة ويميل لونه إلى الأزرق، لكننا كنا نأكله رغم ذلك. وفي المساء، كنا نحصل أيضًا على كوب صغير من زبدة الفول السوداني المخلوطة بالماء. كنت أنتظر هذه الحصة طوال اليوم. وعندما كنا نريد الاحتفال بعيد ميلاد أحد الأسرى أو بمناسبة مشابهة، كنا نصنع ما يشبه قالب الحلوى من طبقات الخبز وزبدة الفول السوداني".
"ذات مرة، اقتحم السجّانون الأقسام، وألقوا بنا في الساحة وقيّدوا أيدينا خلف ظهورنا. ثم أخذوا يسيّرون الكلاب فوقنا ويطلقون النار في الهواء. لم يخبرونا بالسبب، لكننا اكتشفنا بعد أيام أنّ بن غفير كان قد زار السجن".
"كان معظم الأسرى يدّخرون الطعام استعدادًا لما أطلقنا عليه اسم "يوم الشبع". فمن أصل تسع شرائح خبز تحصل عليها، تُخبّئ ثلاثًا مثلًا، وتواصل جمع الخبز حتى يصبح لديك 30 أو 40 شريحة، ثم تبدأ بمقايضتها مع أسرى آخرين. كانت البيضة تساوي شريحتين من الخبز، والحمّص ثلاث شرائح. كنا ندّخر كل شيء إلى أن يأتي اليوم الذي يصبح لديّ فيه، مثلًا، خمس أو ست بيضات وصحن من الأرز. عندها نُعدّ وجبة كبيرة، لنشعر بالشبع ولو ليوم واحد في الأسبوع. غالبًا ما كنا نختار يوم السبت، وكان بعض الأسرى يسمّونه "شابات شالوم".
"لكنّ الطعام الذي نحتفظ به قد يفسد، لذلك ابتكر الأسرى ما يشبه الثلّاجة باستخدام كيس بلاستيكي يضعون فيه أطعمة مثل البيض، ثم يلفّونه بجوارب مبلّلة ويعلّقونه على النافذة، حتى يمرّ الهواء عليه ويحافظ على برودته. لكنّ هذه الطريقة كانت تنطوي على مخاطر أيضًا؛ فإذا عثر السجّانون على الطعام خلال التفتيش، كانوا يرمونه. في البداية، كان يُسمح لنا في سجن عوفر بالاستحمام مرة كل ثلاثة أيام. وأحيانًا كان يمرّ أسبوع كامل من دون أن نخرج من الغرفة، بحسب مزاج السجّانين. كان معي في الزنزانة أربعة شبّان أُصيبوا بالجرب إصابة شديدة. وبسبب الرطوبة، انتشرت أيضًا التهابات فطرية تسبّبت بظهور بقع على الجلد، إذ لم نكن قادرين على تجفيف أجسادنا أو تنظيفها كما ينبغي. طلبتُ مسعفًا لعلاج الفطريات، فدخل سجّان برفقة كلب وقال لي: "هذا هو مسعفك، تحدّث إليه".
"ذات مرة، طلبت من أحد السجّانين السماح لي بنشر منشـفتي تحت أشعة الشمس. رفض، لكنني نشرتها رغم ذلك. فقال لي: "سترى ما سيحدث لك". لم أُعر كلامه اهتمامًا. وفي المساء، بعد انتهاء التعداد، اقتحم السجّانون زنزانتنا وانهالوا علينا بالضرب، لمجرّد أنني نشرت المنشفة. ركلوني بأحذيتهم على بطني ووجهي. لم يكن لديّ سوى طقم واحد من زيّ مصلحة السجون البنّي، وقطعة واحدة من الملابس الداخلية، وبنطال رياضي وقميص رماديين من الصليب الأحمر. وعندما كنت أريد الاستحمام، كنت أغسل ملابسي وأرتديها في اليوم التالي. قبل نحو شهرين من الإفراج عني، وبعد تفشّي الجرب، بدأت إدارة السجن تُبدي اهتمامًا أكبر قليلًا بأوضاع الأسرى. شرعوا بتقديم العلاج، ونظّموا حملة لمكافحة الجرب، وأصبح الطعام أنظف. كانوا يغلّفونه جيدًا ويحفظونه في الثلّاجات حتى لا يتّسخ، ومنعوا الأسرى من وضع صواني الطعام على الأرض. وفي تلك الفترة، تولّى مدير جديد إدارة السجن، ووفّر ملابس جديدة وملابس داخلية ومواد تنظيف".
"في 20 نيسان/أبريل، أطلق السجّانون الرصاص المطاطي على ثمانية أسرى داخل القسم. ادّعت إدارة السجن أنهم أثاروا الشغب، لكنّ ما حدث هو أنّ أحد السجّانين اعتاد التجوّل ليلًا بين الأقسام ورشّ الغاز من دون أي سبب. وكان هناك شاب يعاني ضيقًا في التنفّس، ففقد وعيه. نادى الأسرى السجّان وأخبروه أنّ الشاب على وشك الموت، لكنه ردّ عليهم بالشتائم. ارتفعت أصوات الصراخ في القسم، فوصل سجّانون آخرون وأطلقوا الرصاص على ثمانية أسرى في زنزانتين متجاورتين".
"علمتُ من أسير من قريتي أنّ ابن عمي قُتل خلال هجوم شنّه مستوطنون على القرية. كان أعزّ أصدقائي. أخذت أضرب رأسي بالحائط وأبكي، وردّدت بصوت خافت: "الله أكبر". حاول الأسرى تهدئتي. وفي اليوم التالي، اقتحم زنزانتنا سجّانون من وحدة "كتر". أمسك أحدهم برأسي ووضعه بين ساقيه، بينما أمسك الآخرون بيديّ وانهالوا بالضرب على ظهري. كانوا يصرخون: "أتريد إثارة المشاكل؟". بدأ الزبد يخرج من فمي، ثم ضربني أحد السجّانين بركبته على أضلاعي، ففقدت الوعي. كُسر ضلعان من أضلاعي، وظللت أعاني الألم شهرين من دون أن أتلقّى أي علاج. وحتى اليوم، ما زلت أشعر بالألم أحيانًا".
"في كل تعداد صباحي، كان علينا جميعًا أن نقول: "صباح الخير يا كابتن، شكرًا جزيلًا يا كابتن"، وأن ننحني أمامه. ثم نبقى على الأرض نصف ساعة إضافية حتى ينتهي التعداد. ذات مرة، اقتحم السجّانون الأقسام، وألقوا بنا في الساحة وقيّدوا أيدينا خلف ظهورنا. ثم أخذوا يسيّرون الكلاب فوقنا ويطلقون النار في الهواء، بينما كانت رؤوسنا ملتصقة بالأرض. لم يخبرونا بالسبب، لكن بعد أيام وصل أسرى جدد وأخبرونا أنهم شاهدوا مقاطع مصوّرة تُظهر زيارة بن غفير للسجن. عندها فهمنا سبب ما جرى".
"في أحد الأيام، كانت لديّ جلسة في المحكمة. وفوجئت عندما أخبرتني محاميتي خلال الجلسة أنّ زوجتي أنجبت طفلة. أمضيت تسعة أشهر في الاعتقال، وهي فترة قصيرة نسبيًا، لكنني عندما أُفرج عني، اكتشفت مدى التدهور الذي شهدته قريتي خلال غيابي. وعلمت أنّ التجمّع الذي كان يعيش فيه عمي قد اضطر إلى الرحيل بسبب اعتداءات المستوطنين".
"قبل الإفراج عني، سألني ضابط من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) عن السابع من أكتوبر. قلت له إنني أسمّيه "السابع من أكتوبر الملعون". وقلت له: "لا تنظر إليّ باعتباري إرهابيًا، فأنا من أشدّ الناس حرصًا على السلام. مشكلتنا مع المستوطنين المتطرّفين الذين قلبوا الدنيا رأسًا على عقب، ولو ضغط عليّ قليلًا، لكنت قلت له: "لديّ أصدقاء يهود أكثر منك". لديّ أصدقاء يهود أعتزّ بهم كثيرًا، وقفوا إلى جانبي خلال فترة اعتقالي، وقبلها وبعدها. ولن أنسى لهم ذلك أبدًا".
"كان بعض الأسرى يعانون الإسهال، فكان السجّانون يتعمّدون تكليفهم بتوزيع الطعام على الجميع"
ر، 43 عامًا
عندما أُفرج عن ر، وهو من سكان الضفة الغربية ويبلغ 43 عامًا، من سجن النقب (كتسيعوت) في نيسان/أبريل 2025، منعه الأطباء من احتضان أطفاله. يقول: "لديّ خمسة أطفال. طوال أسبوعين، لم يُسمح لي بالاقتراب منهم بسبب إصابتي بالجرب في أواخر فترة اعتقالي. كانت الحكّة تلازمني طوال الليل وتحرمني من النوم، ثم بدأت تظهر بثور في مختلف أنحاء جسدي. وعندما أخبرت طبيب السجن، قال إنه لا يملك ما يعطيني إياه: "عندما تموت، سيعطيك الله مرهمًا". لا يقدّمون الأدوية هناك. وأحيانًا، إذا طلبت دواءً، يعاقبون الزنزانة بأكملها بإطفاء الأنوار، فتبقى في الظلام طوال اليوم.
"كنا 15 أسيرًا في غرفة تتّسع لستة أشخاص. لم تكن هناك بطانيات كافية ولا ملابس. أمضيت ستة أشهر أرتدي البنطال والقميص نفسيهما. لم تكن لدينا ملاعق صغيرة أو أكواب، بل صحن بلاستيكي رقيق للاستعمال مرة واحدة، ينكسر إذا حاولت غسله. وطوال ثلاثة أسابيع، لم تكن لديّ حتى فرشاة أسنان، ثم أعطوني فرشاة صغيرة. كل ليلة، كان سجّانو وحدة "كتر" يقتحمون إحدى الزنازين. كانوا يدخلون في الثانية بعد منتصف الليل، ويطلقون الرصاص المطاطي، وأحيانًا يرشّون الغاز المسيّل للدموع داخل الزنزانة ثم يغلقون الباب. وبعد نصف ساعة، يفتحون الباب ويسمحون لنا بالخروج إلى الساحة، حيث ينهالون علينا بالضرب ويُحضرون الكلاب لتتجوّل بيننا. وأحيانًا كانوا يتركون الكلب يخدشك، وإذا حاولت إبعاده عنك، ينقضّون عليك بالضرب. إذا كانت لديك زيارة من محاميك، يأخذونك إلى غرفة الزيارات. تتعرّض للضرب في طريقك إليها، ثم تتعرّض للضرب مجددًا في طريق العودة. تكون معصوب العينين، ويداك مقيّدتين خلف ظهرك، ورأسك منخفضًا. وإذا رفعت رأسك، يضربونك".
"كنا نستحمّ مرة كل 15 يومًا، بمياه باردة. كانت هناك ستة حمّامات لـ150 أسيرًا، ويمنحون الجميع نصف ساعة فقط للاستحمام، ثم يقطعون المياه. من تمكّن من الاستحمام، تمكّن، ومن لم يتمكّن فلا شأن لهم به. كانوا يشدّون الأصفاد بقوة شديدة، في اليدين والرجلين. وإذا سقطت أرضًا، ينهالون عليك بالضرب. ذات مرة، طلبت من أحد السجّانين أن يُرخي الأصفاد قليلًا لأنني لم أعد قادرًا على الحركة، فبدأ يضربني، ثم أخذوا يسخرون مني ويضحكون. كانوا شبّانًا صغارًا، ربما في الخامسة والعشرين من أعمارهم. وكان بينهم كثير من الدروز، الذين كانوا، بحسب ما رأيت، أشدّ تنكيلًا بنا من السجّانين اليهود. في الليل، كانوا يشغّلون الراديو، ثم يبدأ أحد السجّانين بالغناء والشتائم في الثالثة فجرًا: "يا أولاد القحبة، سنقتلكم ونحرقكم". تنقّلت بين خمسة أقسام، وكان الوضع نفسه في جميعها".
"كانت الصلاة الجماعية ممنوعة، ولم يُسمح لكل أسير إلا بالصلاة منفردًا. وإذا سمعونا نصلّي معًا، كانت وحدة "كتر" تقتحم الزنزانة، أو يأخذون الأسرى للعقاب. لم يأخذوني شخصيًا، لكنّ أسرى آخرين رووا لي أنهم احتُجزوا في غرفة صغيرة، ولم يُعطَوا سوى كيس لقضاء حاجتهم، وكان السجّانون يسكبون عليهم المياه ليلًا. وعندما كانوا يعودون بعد ثلاثة أو أربعة أيام، لم يكونوا قادرين على الوقوف. كان هناك أسرى نُقلوا من سجن مجدو، وكانوا يعانون إسهالًا شديدًا. لم يكن بعضهم يستطيع الوصول إلى المرحاض في الوقت المناسب، فكانوا يقضون حاجتهم على أنفسهم. وكان السجّانون يتعمّدون تكليف هؤلاء تحديدًا بتوزيع الطعام على بقية الأسرى".





