Adbox
بعد مقتل خمسة طلاب على أيدي مستوطنين إسرائيليين خلال العام الدراسي الماضي: معلّمو المغير وطلابها في حالة تأهب قصوى
طلاب يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي في مدرسة "المغير" التي جرى تحصينها مؤخراً. تصوير: علاء بدرنة/وكالة الأنباء الأوروبية (EPA)

بقلم: وليام كريستو وسفيان أبو طه من قرية المغير

«الغارديان» - هذا العام كان لا بد من إقناع الأهالي في قرية المغير بإعادة أطفالهم إلى المدارس بعدما قتل مستوطنون إسرائيليون خمسة طلاب في المرحلة الثانوية خلال العام الدراسي الماضي أحدهم قُتل عند أبواب المدرسة مباشرة.
ولطمأنة أولياء الأمور نظّم معلّمو المدرسة الثانوية الحكومية جولةً في أروقتها التي قضوا العطلة الصيفية في تحصينها؛ حيث أصبحت السياجات المعدنية تعلو أسوار الملعب المدرسي واستُبدل الباب ببوابة معدنية متينة كما بُني جدار جديد لحماية الفصول الدراسية من التلة التي شهدت خلال العام الدراسي الماضي إطلاق مستوطنٍ النار ما أسفر عن مقتل شخصين أحدهما طالب.
تخضع قرية المغير التي يبلغ عدد سكانها نحو 3,000 نسمة وتقع شمال شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة لحصار يفرضه المستوطنون الإسرائيليون إذ يقتحم المستوطنون المسلحون القرية بانتظام فيعتدون على السكان ويهاجمون المنازل ويستولون على المواشي بينما يقيم الجنود الإسرائيليون حواجز عسكرية تمنع الدخول أو الخروج لعدة ساعات متواصلة.

أطفال يشاهدون قوات الأمن الإسرائيلية وهي تنتشر في قرية المغير يوم 29 سبتمبر، وذلك في أعقاب اقتحام القرية من قِبل عشرات المستوطنين القادمين من بؤر استيطانية مقامة على تلال مجاورة، مما أسفر عن احتراق خمس سيارات على الأقل. تصوير: زين جعفر/أ ف ب/غيتي إيماجز


تقع المدرسة في موقع معزول عند أطراف القرية بالقرب من مدخلها الرئيسي ويشن المستوطنون هجماتهم في محيط المدرسة تحت مرأى ومسمع من الجيش الإسرائيلي.

يقف جندي إسرائيلي بمفرده عند مدخل القري يحمل بندقيته على كتفه ويذرع المكان جائئًا وذاهبًا بلامبالاة؛ فهو من يقرر من يدخل القرية ومن يخرج منها ومن حيث يقف يمكن سماع صيحات الأطفال الصغار أثناء لعبهم حيث تتردد أصواتهم في أرجاء القرية الهادئة التي أُغلقت معظم متاجرها رغم أنه يوم عمل عادي.
ويقول السكان إن هذا العنف هو جزء من مشروع أوسع لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم وهو مخطط أدى بالفعل إلى طرد مجتمعات محلية أصغر حجماً من منازلها ويخشى الأهالي الآن من استخدام التكتيكات نفسها ضد قرية بأكملها لجعْل الحياة فيها غير تطاق إلى حد يدفع السكان للمغادرة.

ضابط دورية إسرائيلي يقف بالقرب من المغير في أوائل أيلول/سبتمبر. تصوير: علاء بدارنة/وكالة حماية البيئة

يقول أمين أبو علياء (54 عامًا) رئيس مجلس قروي المغير: «عندما بدأ المستوطنون هجماتهم بدأوها في منطقة غور الأردن حيث هجّروا مجتمعات زراعية تتألف من 10 إلى 20 شخصًا أما الآن فهم يحاولون تهجير قريً بأكملها وما يحدث في المغير هو بداية هذا المشروع».
وقد شهد أبو علياء تتضاعف أعداد البؤر الاستيطانية وهي مجموعات صغيرة من الرعاة الإسرائيليين الذين يقيمون معسكرات بالقرب من التجمعات الفلسطينية حول القرية على مدى السنوات الثلاث الماضية ففي عام 2023 لم تكن هناك سوى بؤرة استيطانية واحدة بالقرب من القرية أما الآن فقد أصبحت 12 بؤرة.

موقع المغيير


بات المستوطنون يقتحمون القرية بانتظام فيغلقون الطرق ويضايقون السكان أثناء رعي أغنامهم في الحقول المجاورة للمدرسة وفي عمق القرية ويؤكد الأهالي أن المستوطنين يسرقون الأغنام من القرويين مما يثير مشادات مع السكان الذين يعتمدون على الثروة الحيوانية في كسب عيشهم وعندما يقاوم القرويون ينتهي بهم الأمر إما بالاعتقال أو القتل.

في عام 2024 هاجم مستوطنون منزلًا في المغير فهبّ وحيد أبو نعيم (37 عامًا) وهو معلم مدرسي للمساعدة في الدفاع عن المنزل ومحاولة دفع المستوطن بعيدًا وضع المستوطن مسدسه على صدر أبو نعيم وضغط على الزناد؛ أغمض أبو نعيم عينيه لكن لم ينطلق أي صوت — إذ كان المستوطن قد أطلق رصاصته الأخيرة بالفعل.
يُعد حصار المستوطنين تكتيكًا أُلف سابقًا في الضفة الغربية؛ إذ ظهرت بؤر استيطانية صغيرة يديرها مراهقون وعدد قليل من البالغين حول التجمعات البدوية الصغيرة في وادي الأردن منذ عام 2023 وشنّت حملة تصعيدية متواصلة من العنف لجعل الحياة مستحيلة على الفلسطينيين المقيمين هناك وفي منطقة راس عين العوجا جنوب وادي الأردن هجّر المستوطنون آخر سكان تلك المنطقة في كانون الثاني/يناير بعدما عجزوا عن تحمل الهجمات المتكررة في نمط مشابه لما يحدث الآن في المغير.

فقد وحيد أبو نعيم، وهو معلم في مدرسة المغيّر، شقيقه الأصغر الذي قتله مستوطنون، وكاد هو نفسه أن يلقى حتفه. تصوير: كيكي كيرشينباوم/صحيفة الغارديان

ورغم أن المستوطنات تُعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي فإن الحكومة الإسرائيلية لم تتخذ خطوات يُذكر لتضييق الخناق على عنف المستوطنين المتزايد باستثناء إصدار بعض بيانات الإدانة بل إن وزراء متطرفين في حكومة نتنياهو زودوا المستوطنين بالأسلحة والمركبات مما أدى إلى ارتفاع معدلات التوسع الاستيطاني بشكل ملحوظ في ظل الحكومة الحالية.
ولا تظهر البؤر الاستيطانية بشكل مباشر من داخل المغير لكنها تنتشر خلف التلال الجردة التي تحيط بالقرية يقود السكان سياراتهم بسرعة على الطريق الملتوي الذي يمتد لميل واحد ويؤدي إلى القرية حذرين من مدى انكشافهم لهجمات المستوطنين أثناء المرور به.
ويصف السكان المحليون وجود تعاون وثيق بين الجنود الإسرائيليين والمستوطنين؛ إذ غالباً ما يرونهم يتحدثون سويةً أثناء دخول المستوطنين إلى القرية كما يوفر الجنود الحماية للمستوطنين ولا يتدخلون إلا عندما يتعرض المستوطنون وليس الفلسطينيون للتهديد.
يتصاعد دخان الغاز المسيل للدموع عقب هجوم على قرية المغير في 11 يوليو/تموز، حيث توفي فتى يبلغ من العمر 17 عاماً متأثراً بإصابته بعيار ناري في ساقه، وذلك خلال مداهمة لمنزله نفذها الجيش الإسرائيلي ومستوطنون. تصوير: علاء بدرنة/وكالة الأنباء الأوروبية (EPA)

وفي أوائل أيلول/سبتمبر قُتل فتيان هما عمر النعسان (19 عامًا) وخليل أبو علياء (16 عامًا) على أيدي مستوطنين وجنود إسرائيليين أثناء محاولتهما منع المستوطنين من الاستيلاء على أغنامهم بحسب ما أفاد به أبو علياء.
وقال أبو علياء: «آخر عملية سرقة تمثلت في الاستيلاء على 60 رأسًا من الأغنام من وسط القرية اقتحمت 10 آليات عسكرية وسط القرية وفرضت حصارًا على المنطقة حيث سرقوا الأغنام وأطلقوا النار على المواطنين».
من جانبه قال الجيش الإسرائيلي إنه دخل القرية لتوفير الحماية لمواطن إسرائيلي والشرطة أثناء محاولتهما استعادة مواشي وأنه أطلق النار على من أسماهم «المحرضين الرئيسيين» عندما ألقى الفلسطينيون الحجارة على الجنود.
وتظل بساتين الزيتون في القرية دون قطاف رغم هطول الأمطار الأولى لهذا الموسم والتي تشير إلى نضج الثمار؛ إذ يخشى القرويون من عنف المستوطنين الذي يرافق عادةً موسم الحصاد في القرى المجاورة وبحسب منظمة «ييش دين» الإسرائيلية لحقوق الإنسان نفذ المستوطنون أكثر من 170 هجومًا منذ بدء موسم الحصاد في نهاية أيلول/سبتمبر.
طفلان فلسطينيان على حافة تطل على قرية المغيّر. تصوير: إيليا ييفيموفيتش/أ ف ب/غيتي إيماجز

وفيم يهاجم المستوطنون السكان يفرض الجيش الإسرائيلي قيودًا متزايدة على القرويين يُعد إنتاج الزيتون قطاعًا رئيسيًا إلا أن السكان أُبلغوا بمنع الحصاد دون الحصول على موافقة عسكرية مسبقة كما يغلق الجيش المدخل الوحيد للقرية لعدة ساعات يوميًا ولعدة مرات في الأسبوع مما يمنع المواطنين من الذهاب إلى أعمالهم ويحول دون وصول المعلمين إلى المدرسة.
وكانت النتيجة خنقًا تدريجيًا لمصادر رزق الأهالي؛ إذ غادرت بالفعل ثلاث عائلات القرية للاستقرار بالقرب من أماكن عملهم خوفًا من الإغلاقات المستمرة للطرق.
وقال أبو علياء: «من لا يملك المال يُجبر الآن على بيع جزء من ماشيته وإنهاء عمله في الزراعة والبحث عن عمل آخر».
وفي المدرسة الثانوية وضع المعلمون خطط طوارئ لمواجهة هجمات المستوطنين ودمجوا دروسًا حول كيفية تجنب المواجهات في مناهجهم الدراسية محاولين الحفاظ على قدر من الحياة الطبيعية لطلابهم.
فتى فلسطيني يتجه إلى المدرسة مرارًا بسياج أمني جديد في المغير. تصوير: علاء بدارنة/إي بي إيه

وقال بسام أبو عساف (54 عامًا) مدير مدرسة المغير الثانوية: «هدف المدرسة هو حماية الأطفال عند دخولهم إليها وعند عودتهم إلى منازلهم الوقت الذي نقضيه في الجلوس يكاد يكون معدومًا؛ فأعيننا تتجه دائمًا نحو خارج المدرسة ونحن نفكر بـ — لا سمح الله — إمكانية وقوع هجوم للمستوطنين علينا».
ورغم هذه الاحتياطات تعرضت العملية التعليمية للطلاب للتعطل المحتوم؛ إذ يعيش نحو 80% من الكادر التعليمي خارج القرية وغالبًا ما يمنعهم الحاجز العسكري الإسرائيلي من الوصول إلى المدرسة وتقتصر الدراسة على ثلاثة أيام في الأسبوع فقط وتنتهي في وقت مبكر حتى لا يعلق المعلمون بسبب إغلاق الطرق الذي يحدث عادة في بعد الظهر وفي إحدى المرات أطلق الجيش الإسرائيلي الغاز المسيل للدموع بالقرب من المدرسة فامتدت الغازات السامة إلى الفصول الدراسية دون أن يملك المعلمون حيلة لإيقافها.
يقول المعلم أبو نعيم: «اليوم وردت أنباء عن وجود مستوطنين في الخارج الآن يجلس الطالب أمامك لكنه غير مركز؛ فهو يفكر في الخطر الذي قد يأتي من الجيش أو من المستوطنين يتساءل: أين المستوطنون؟ أين الجيش؟ هذا ما يشغل تفكيره» يُذكر أن شقيقه قُتل في نيسان/أبريل الماضي خلال هجوم للمستوطنين خارج المدرسة.
وأضاف: «تحاول قدر الإمكان جعل الطالب يركز معك لكن الفجوة التعليمية تصبح كبيرة جدًا بسبب كثرة الأيام التي لا يستطيع فيها الطالب التركيز».
طلاب على الطريق الممتدة من قرية المغير إلى قرية أبو فلاح. تصوير: إيليا يفيموفيتش/أ ف ب/جيتي إيميجز

يتذكر أبو عساف الذي درس في المدرسة نفسها التي يديرها الآن طفولة مختلفة في القرية عندما كان بإمكان الأطفال التجول بحرية في التلال المحيطة.
وقال: «كنا نتجول ونروح ونجيء وكان كل شيء مفتوحًا أمامنا؛ نلهو ونقيم مشاوٍ أما الآن فالأطفال محبوسون في منازلهم يرون العالم من خلال هواتفهم».
عند الظهيرة رنّ الجرس معلنًا نهاية اليوم الدراسي تجمع الطلاب في ساحة المدرسة بينما كان المعلمون يسترقون النظر من فوق البوابات للتأكد من عدم وجود مستوطنين في الجوار وعندما لم يجدوا أحدًا سمحوا للطلاب بالخروج.
اختتم أبو نعيم حديثه قائلاً: «هناك مخطط للتهجير لكننا سنربي جيلًا متعلمًا آخر رغم كل شيء هدفنا هو مواجهة هذه الهجمات بالتعليم».
أحدث أقدم