حاجز قلقيلية... شكل آخر للمعاناة في الشتاء


وفا- من منا يمكن أن يختار طوعا أن يستيقظ كل يوم قبل طلوع الفجر، ليعبر حاجزا عسكريا، أو يسير في طريق محفوف بالمخاطر، ومغموس بالعرق والمعاناة، إلا من اضطرته الظروف إلى ذلك، وهو واقع العمال الفلسسطينيين في أراضي 48.
في ساعة مبكرة من كل يوم، تبدأ معاناة أكثر من 15 ألف عامل، عند حاجز قلقيلية شمال الضفة الغربية، أثناء ذهابهم الى أماكن عملهم، فاينما توجهت في جنبات المعبر، تسمع قصصا وحكايات ممن ذاقوا معاناة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وحصاره، وما يزيد الأمر قساوة اليوم، برودة الشتاء مع انعدام أدنى مقومات السلامة والصحة المهنية.
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة والنصف فجرا، وبرودة الطقس قد انحصرت في الخمس درجات فأقل، عندما قصد المواطن عبد الله عليان "ابو أحمد"، "51 عاما" من قلقيلية، المعبر بالرغم من شدة البرد، ليتمكن من الدخول مبكرا لعمله، ويتجنب ازدحام الحاجز الذي يقصده آلاف العمال يوميا من محافظات مختلفة، ولا يوجد ما يقيهم برد الشتاء وحر الصيف بحسب قوله .
يواصل "ابو أحمد"، عمله في مجال البناء لإعالة أبنائه السبعة، منذ قرابة الثلاثة عقود، ويمر كغيره من العمال بمراحل الذل والقهر.
وقال لـ "وفا": "تبدأ المعاناة من لحظة الانتظار لساعات على الحاجز عبر الاصطفاف في طوابير ضيقة المساحة لا يتجاوز طولها 60 مترا، محاطة بالحديد، الى حين إشعال الضوء الأخضر الذي يوحي ببدء عمل ادارة الحاجز، وتبدأ هنا مصارعة الدخول الى غرف التفتيش، للحاق بالعمل المحصور بساعات محددة، وخلال ذلك نتعرض في كثير من الأحيان للإصابات .
وتابع: "آخر مراحل التفتيش تكون بتعرضنا لجهازيّ، كشف المعادن، وآخر للتفتيش الجسدي واليدوي، وهي المرحلة الأخيرة، ويطلق عليها اسم " المعاطة"، (نسبة إلى الماكنة التي تستخدم في نتف ريش الدجاج)".
وبينما كنا نسير التقينا العامل نضال يونس "50عاما"، من قرية سنيريا جنوب قلقيلية، ومن شدة برودة الجو أحكم وضع يديه في جيبه، وارتدى على رأسه طاقية، والتحف معطفا قد أقفل أزراره حتى رقبته التي تطوقها لفحة، وأما حذاؤه فكان برقبة قصيرة، مبطنا لعله يمنع المطر من الوصول الى قدميه.
تحدث لنا بصوت منخفض وهو يرتعش، عن معاناة العامل التي تتمثل بسرقة وقته وعائلته منه، "نقضي ما يقارب 15 ساعة يوميا، خارج المنزل، ولا نتمكن من مشاركة أبنائنا حياتهم الاجتماعية، الا يومي الجمعة والسبت، فعندما ارجع من الدوام اغفو بعد تناول العشاء وينقضي اليوم... وهكذا"، وفق ما قال.
وأضاف: "القائمون على الحاجز لا ترف عيونهم شفقة ولا رحمة، فتقرصنا برودة الشتاء بالخارج، ويصاب بعضنا بالوعكات الصحية، وبالرغم من ذلك يستمرون في الامعان بسياسة الذل وخلع الملابس، والعبث بما بحوزتنا من مقتنيات في مشهد بات مألوفا يوميا .
إلى ذلك قال الشاب عبد الكريم عمر "27 عاما" وهو يشرب الشاي، ان الفصل المطري يكشف مأساة العمال على الحاجز المعروف باسم "إيال"، حيث تتساقط الأمطار الغزيرة، وتشتد الرياح، ويلسع البرد أجساد العمال المنهكة بشكل مأساوي.
وأضاف: "ما يدفعنا لتحمل ذلك ظروف الحياة، المتمثلة بقلة فرص العمل وتفشي البطالة وتدني الدخل، ومستلزمات الحياة الكثيرة، فالأجرة اليومية في عملنا تصل الى حوالي ثلاثة أضعاف الأجرة اليومية بسوق العمل الفلسطيني".
وبعد حديثنا مع عمر، نظرنا الى زاوية اخرى واذا بمجموعة من النسوة يصططفن للدخول الى المعبر، وحسب رئيسة نقابة النقل العام في الاتحاد العام نقابة عمال فلسطين فرع قلقيلية تمام عبد الحفيظ، فان حوالي 200 سيدة تعبر الحاجز يوميا.
وبينت لـ "وفا، أن معظم العاملين هم من الشباب ومن حملة الشهادات الجامعية، ويواجهون مخاطر جمة أثناء دخولهم، وايضا خلال عملهم، وتسجل النقابة تقريبا بشكل شبه يومي حوادث بسيطة، وأحيانا مميتة تصيب العمال في المعبر وأثناء العمل، ويتنصل الجانب الاسرائيلي منها ".
ولفتت إلى أن الاتحاد النقابي يتابع يوميا أوضاع العمال، وتتابع الجهود مع الجهات المعنية لتحسين القدرة الاستيعابية للحاجز، لكن الجانب الإسرائيلي يعيق ذلك، وبالرغم من ذلك هناك لجنة من المتطوعين تلقوا تدريبات مكثفة من الاتحاد للتعامل مع جميع الحالات، ولتنظيم حركة العمال في الصباح الباكر، ويصل عددهم إلى 70 عاملا.