قسوة القتل أم بشاعة المشهد.. أيهما أولا؟


"معلّق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي بالموت محنية
لأني لم أحنها حيّة"


وفا- ربما هذا المقطع المأخوذ عن قصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" للشاعر المصري أمل دنقل، فيه أشد الوصف للمشهد الإجرامي والبشع الذي ارتكبه الاحتلال بحق جثمان الشهيد محمد الناعم (27 عاما) صباح الأحد قرب السياج الحدودي شرق خان يونس.
صور ومقاطع فيديو بثت من قبل نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فضحت غطرسة الاحتلال وهمجيته في التعامل مع الشبان العزل، الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى الجثمان، فقد ضربت جرافة الاحتلال الجثمان أكثر من مرة قبل أن تنتشله بأنيابها، في منظر يندى له الجبين.
فما حدث يفسر العقلية الإجرامية في التعامل مع الشهداء، وهذا ما قرره وزير جيش الاحتلال نفتالي بينيت بُعيد تعيينه في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بأن يتم احتجاز الجثامين وعدم إعادتها إلى عائلاتها كجزء من خطة "الردع".
مشهد هذه الجريمة كاد أن يحدث الجمعة الماضية في قرية كفر قدوم شرق مدينة قلقيلية، عندما باغتت جرافة عسكرية عددا من الشبان والفتية وهاجمتهم بسرعة هائلة، ولحسن الحظ لم يصب أحد بجروح خطيرة، باستثناء طفل يبلغ من العمر 9 سنوات ومصور تلفزيون فلسطين اللذين أصيبا بجروح طفيفة.
كما ارتكب الاحتلال جريمة مشابهة قبل أيام في محيط رأس كركر غرب محافظة رام الله، بحق الشهيد فخر محمود أبو زايد قرط (53 عاما)، عندما انتشلت جثمانه بواسطة جرافة.
الاحتلال له تاريخ حافل في ارتكاب الجرائم البشعة، وفي قطاع غزة تحديداً قتلت إحدى جرافاته المتضامنة الأميركية راشيل كوري في السادس عشر من آذار /مارس عام 2003.
وفي السابع والعشرين من تموز/ يوليو عام 2016 هدمت جرافات الاحتلال منزلاً فوق رأس الشهيد محمد الفقيه الذي كان يتحصن فيه في بلدة صوريف شمال غرب الخليل.
وفي الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر العام الماضي سحبت أنياب جرافة عسكرية اسرائيلية جثماني شهيدين ارتقيا على الحدود الشرقية وسط قطاع غزة، وفي الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام اصطدمت جرافة اسرائيلية بمركبة على طريق حاجز ترقوميا غرب الخليل، ما أدى إلى استشهاد المواطن محمد النواجعة من مدينة يطا وإصابة نجله بجروح.
الكاتب محمود جودة يصف هذه الجريمة بقوله: "قتلوه، ومن ثم دخلوا إلى شرق المدينة بدبابة وجرافة، وسحبوا جثته بعدما أصابوا مجموعة من الشباب، اندفعوا لأخذ الجثمان من فم الجرافة.. العداء هنا ليس عداء وضاعة؛ بل عداء حق، وعذاب وامتهان، عداء أسست له دولة الكيان باحتلالها للأرض، وامتهانها للأجساد، وحبسها للأرواح، عداء نابع من قيم الإنسانية والكرامة والشرف".
من جانبه، قال نائب مدير مركز الميزان لحقوق الانسان في غزة سمير زقوت لـ"وفا"، إن هذه الجريمة الجديدة تكشف مدى تحلل قوات الاحتلال من أبسط التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الانسان سواء لجهة استخدام القوة المفرطة والمميتة، أو لجهة التنكيل بجثث الضحايا التي هي واجبة الاحترام في القانون".
وأشار زقوت، الى أن "الفيديو" أظهر أن الضحايا كانوا مدنيين وغير مسلحين ما يدحض مزاعم الاحتلال الذي يحاول تبرير جرائمه.
وأكد أن قوات الاحتلال تنتهك بشكل خطير ومتكرر القانون الدولي، وذلك بمنعها اسعاف الضحايا والجرحى وتركهم ينزفون حتى الموت، في وقت تتحلل من واجبها في تقديم الإسعافات الأولية للجرحى، وهو واجب أصيل بموجب القانون، وتستخدم القوة المفرطة لمن يحاولون تقديم المساعدة لهؤلاء الضحايا، ما أدى الى إصابة ثلاثة مدنيين بجروح مختلفة كانوا يحاولون اسعاف ونقل الجرحى من الميدان.
يشار الى أن المناطق الحدودية الشرقية لقطاع غزة المحاصر منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، تشهد اعتداءات من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي على المشاركين في مسيرات سلمية، ما أدى الى استشهاد 317 مواطناً منهم 64 طفلاً و12 سيدة، فيما أصيب حوالي 19500 بجروح مختلفة.