مسار بلال الأخير

 


وفا- كان بلال بواطنة (52 عاما) من قرية عجول شمال مدينة رام الله، متحمسا لزيارة الأغوار الشمالية، فهذه هي المرة الأولى التي سيراها، واختار أن يكون ضمن مسار بيئي رفقة 25 مواطنا، للتعرف على المناطق المهددة بالاستيلاء من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي هناك.

اعتاد بواطنة المشاركة في هذه المسارات منذ فترة طويلة، لكنه انقطع عنها قبل عام، لتعرضه لكسر في منطقة الحوض أثناء موسم قطف الزيتون، ليعود أمس الجمعة للمشاركة من جديد، حيث استقل مركبته نظرًا لعدم وجود مكان فارغ له في الحافلة، كونه قرر المشاركة في وقت متأخر.

"في بداية المسار، كان يتحدث عن جمال الطبيعة، وحبه للزراعة، وكان يقوي عزيمتنا لصعوبة المسار الذي كنا ننوي خلاله قطع مسافة 10 كيلو مترات" يقول صديقه في المسار علاء أبو قطيش.

لكن هذه الفرحة لم تدم طويلًا، فما إن هبط ورفاقه عن تلة في عين البيضا لأخذ استراحة قصيرة بعد سير استمر قرابة الساعة، حتى فوجئوا بمركبة يقودها مستوطن تسير بشكل جنوني، ويصطدم ببواطنة، ويرتقي على إثرها شهيدا، فيما أصيب آخران جرى نقلهما على المستشفى.

لم يصدق أبو قطيش ما جرى، وأخذ يصرخ بصوت عال "بلال.. بلال" دون أن يرد. وبعد فترة جاءت مركبة إسعاف إسرائيلية، ليتبين أنه استشهد، ويكون بذلك المسار الأخير له.

ويضيف: "كان الأمر فاجعة، الجميع غير مصدق ما حدث، اتصل بي بلال صباح أمس، أخبرني أنه سيذهب معنا، وكنا فرحين بذلك، هو سجل في وقت متأخر والحافلة لم تتسع له، وأصر على الذهاب، فاستقل سيارته الخاصة ولحق بنا للمنطقة".

ويشير: "منذ سنوات ونحن نخرج مع بعضنا في المسارات، وزرنا مختلف المحافظات والمناطق، وتعرضنا للكثير من المضايقات من الاحتلال ومستوطنيه، وأحيانا كانوا يمنعونا من إكمال مسارنا ويعتدون علينا بقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، ما جرى بحق بلال جريمة، تثبت بشكل قاطع أننا غير آمنين في أي مكان، وقد نستشهد أو نعتقل أو نجرح، والسبب أننا نريد العيش بحرية في وطننا، ونستمتع بربيعه وشمسه ونشرب من مياهه".

لم يصدق عبد الرحمن نجل الشهيد الوحيد الخبر في بادئ الأمر، ولكنه اتصل بزملاء والده في المسار وأخبروه بالأمر، ليقع عليه كالصاعقة.

يقول عبد الرحمن "كأنه حلم، أنا غير مصدق أنه استشهد، بالأمس جلسنا مع بعضنا وسهرنا وتبادلنا الحديث، وأخبرني أنه سيذهب للمسار في الأغوار، وكان متحمسا لذلك لأنه سيزور المنطقة لأول مرة، ولم نكن نعلم أنها ستكون الأخيرة".

قبل استشهاده، كان بواطنة يمتلك محلا خاصا ألعاب للأطفال في مدينة رام الله، وآخرًا للأدوات المنزلية، ومتزوج ولديه 3 بنات وولد، ويسكن في مدينة البيرة، وجرى دفنه في مقبرة الشهداء بالبيرة أمس الى مثواه الأخير.

وتنطلق بشكل متكرر مسارات بيئية نحو الأغوار الفلسطينية التي تشهد عمليات هدم متواصلة ومتكررة من قبل سلطات الاحتلال، لتجمعات سكانية بشكل كلي أو جزئي، بهدف تهجير المواطنين وتشريدهم لتسهيل عمليات الاستيلاء على الأراضي هناك.

كما تتعرض العديد من المناطق في الأغوار الفلسطينية لعمليات إخلاء متكررة، بحجة التدريبات العسكرية وما يرافق ذلك من عمليات تدمير واستيلاء على ممتلكات المواطنين.

وللأغوار أهمية كبيرة تكمن في كونها منطقة طبيعية دافئة، يمكن استغلالها للزراعة طوال العام، إضافة إلى خصوبة التربة، وتوفر مصادر المياه فيها، فهي تتربع فوق أهم حوض مائي في فلسطين.