من عين الحلوة الى عين الساكوت.. مياه مُحرَمة على أهلها

 


وفا- منذ أسبوع يواصل المستوطنون بخطوات حثيثة ترميم عين الحلوة بالأغوار الشمالية بهدف الاستيلاء الكامل عليها وتحويلها لمتنزه للاستجمام.

وعين الحلوة هي واحدة من الينابيع القليلة جدا في الأغوار التي بقي الفلسطينيون يستخدمونا للشرب ولسقاية مواشيهم بعد جفاف عدد كبير من الينابيع والآبار الارتوازية الفلسطينية بفعل ممارسات الاحتلال، وسيطرة شركة "ميكروت" الإسرائيلية على غالبية مصادر المياه الجوفية في المنطقة.

وفقا للناشط الحقوقي عارف دراغمة فإن الاحتلال يحاول إغلاق المنطقة بالكامل لصالح المستوطنين، وهو ما يعني حرمان عشرات العائلات الفلسطينية في المنطقة من حقهم في النبع، علما أنهم يعتمدون عليها بشكل أساسي لاستخداماتهم اليومية ولسقاية مواشيهم.

بدوره، يوضح الباحث في شؤون الاستيطان والأغوار وليد أبو محسن أن عمليات الترميم الأخيرة التي يقوم بها المستوطنون في نبع عين الحلوة جزء لا يتجزأ من سياسة الاحتلال الرامية لتعطيش سكان الأغوار بهدف ترحيلهم، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى عين الحلوة، يفاقم أزمة المياه الموجودة في المنطقة منذ احتلالها واستيلاء الاحتلال على مصادر المياه فيها.

ويضيف أن حجم الاعتداءات على مصادر المياه من قبل سلطات الاحتلال والمستوطنين كبيرة جدا وخاصة في مناطق الأغوار الشمالية، مؤكدا أن عين الحلوة تعتبر من أكثر ينابيع المياه تدفقا في المنطقة، ويعتمد السكان عليها بشكل أساسي.

يحاول المستوطنون منذ سنوات طويلة الاستيلاء على عين الحلوة وترهيب المواطنين لمنعهم من الاقتراب منها، كما يقول أبو محسن، لكن هذه المرة هناك جهود متواصلة وحثيثة ترمي للسيطرة الكاملة عليها، ويأتي ذلك بعد عدة أشهر من قيام سلطات الاحتلال بتسييج عين الساكوت لمنع الفلسطينيين من وصولها، علما أن الاحتلال يحرم الفلسطينيين من استغلالها منذ سنوات طويلة، حيث يستخدمها المستوطنون للأغراض الزراعية.

يؤكد أبو محسن أن جميع ممارسات سلطات الاحتلال في الأغوار منذ احتلالها عام 1967 وحتى الآن تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين بهدف ترحيلهم عن المنطقة، ومن أبرز انتهاكاته في المنطقة حرمان السكان من مصادر المياه التي تعتبر شريان الحياة الرئيس والعمود الفقري لاقتصاد المنطقة التي تعتمد أساسا في الدخل على الزراعة وتربية الثروة الحيوانية.

منذ احتلال الأغوار أوقفت سلطات الاحتلال غالبية الآبار الارتوازية الفلسطينية عن العمل، والتي كان يبلغ عددها 56 بئرا قبل عام 1967، كما قال أبو محسن، كما سيطرت شركة "ميكروت" الإسرائيلية على مصادر المياه الجوفية في الأغوار، حيث حفرت الشركة 42 بئرا في مناطق الأغوار كاملة، وهذه الآبار محفورة على أعماق كبيرة  وتضخ ما بين 60- 70 مليون متر مكعب من المياه سنويا، وهو ما أدى إلى سحب غالبية المياه الجوفية في المنطقة، وبالتالي جفاف المياه وشحها في غالبية الآبار والينابيع الفلسطينية المتبقية، وأصبحت سلطات الاحتلال تزود تجمعات الأغوار بالمياه عبر شركة "ميكروت" بكميات شحيحة ومحددة لا تكفي السكان لأغراضهم اليومية ومزروعاتهم ومواشيهم.

يشير أبو محسن أن مصادر المياه الفلسطينية الموجودة في الأغوار تنقسم حاليا إلى قسمين: فمنها ما جف نهائيا أو شحت مياهه بسبب الآبار العميقة لشركة ميكروت، ومن الأمثلة على ذلك عيون الماء والآبار الموجودة في قرى عين البيضاء، وبردلة، وكردلة، أما القسم الآخر الذي لم تتأثر كمية المياه فيه استولت سلطات الاحتلال عليه بشكل كامل وزودت المستوطنين بمياهه لأغراض زراعية مثل عين الساكوت، علما أن غالبية المستوطنات الإسرائيلية في الأغوار هي مستوطنات زراعية، وجميعها يزودها الاحتلال بكميات مياه هائلة مقابل حرمان سكان المنطقة من هذه المياه.

لا تقتصر انتهاكات الاحتلال للحق الفلسطيني بالاستيلاء على المياه الجوفية والينابيع الأساسية وحرمان الفلسطينيين منها، بل يتعدى ذلك إلى ملاحقة صهاريج المياه التي تزود سكان المضارب وخِرَب الأغوار بالمياه لاستخداماتهم اليومية.

يقول أبو محسن إنه تم تخصيص 118 مليون متر مكعب من المياه للفلسطينيين سنويا حسب اتفاقية أوسلو، وهذه الحصة تبلغ حوالي 15% فقط من كمية المياه المتاحة في فلسطين التاريخية والتي تبلغ 700 مليون متر مكعب، موضحا أن سلطات الاحتلال لم تقم بإعطاء هذه الحصة كاملة للفلسطينيين خلال 28 عاما، كما أنها لم تقم بزيادة الحصة بالرغم من تضاعف عدد السكان منذ ذلك الوقت حتى الآن، ففي ذلك الوقت كان يبلغ عددهم في الضفة وغزة 2 مليون ونصف المليون مواطن، في حين يبلغ العدد الآن 4 ملايين مواطن.

من جهته، يوضح سامي حمدان من مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين أن الاحتلال منذ عام 1967 وحتى الآن يدير ويستغل المياه في الأغوار ويقدم حصصا قليلة منها للفلسطينيين، ومما زاد من سوء الوضع زيادة عدد المستوطنين في مناطق الأغوار.

ويضيف أن ممارسات المستوطنين تتكامل مع ممارسات سلطات الاحتلال في السيطرة على مصادر المياه، فخلال السنوات الأخيرة ظهرت ظاهرة جديدة تتمثل باستيلاء المستوطنين على مصادر المياه وترهيب المواطنين وتخويفهم والاعتداء عليهم لمنعهم من الاقتراب من هذه المصادر، كما يحدث مؤخرا في عين الحلوة بالأغوار الشمالية، وهذه ينابيع يستغلها الفلسطينيون قبل الاحتلال ويعتمدون عليها بشكل أساسي في حياتهم اليومية.

قامت مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين بتأهيل عين الحلوة وغيرها من الينابيع منذ سنوات لتسهيل وصول المواطنين والرعاة في مناطق الأغوار إليها، كما قال حمدان، وما يجري اليوم بمثابة سرقة معلنة لها، ما يعني حرمان عشرات العائلات منها.

وتطرق للحديث عن حصص المياه في المنطقة، حيث توصي منظمة الصحة العالمية بـ 110 لترات من المياه كحد أدنى للفرد الواحد في اليوم لاستخدامها لأغراض الشرب والاستحمام وغيرها من الحاجات اليومية، لكن المواطن الفلسطيني يحصل على معدل 83 لترا من المياه فقط، وفي المناطق التي تعاني من مضايقات الاحتلال بشكل كبير مثل مناطق الأغوار يحصل الفرد على كمية تتراوح بين 20- 25 لترا من المياه فقط، بينما يحصل المستوطن على كمية تصل إلى 400 لتر من المياه في اليوم أي أضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني.

شح المياه على الفلسطينيين في مناطق الأغوار بالرغم من وجودها على حوض مائي كبير يتحمل مسؤوليته الاحتلال الذي يتبع سياسة ممنهجة ومدروسة منذ فترة طويلة بهدف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية واستغلالها لصالح المستوطنين وتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، كما قال حمدان.

وأضاف إن ما يجري في عين الحلوة نتيجة لسياسة الضم والتوسع التي ينتهجها الاحتلال في المنطقة، فالمستوطنون يعملون بحماية من سلطات الاحتلال للاستيلاء على مصادر المياه الفلسطينية القليلة المتبقية بعد الاستيلاء على غالبيتها العظمى على مدار سنوات.

ويتخوف مراقبون أن يتجه المستوطنون بعد عين الحلوة لغيرها من العيون المتبقية، وبالتالي تصبح مصادر المياه المتاحة للفلسطينيين في الأغوار معدومة بعد أن كانت شحيحة.

توضح ورقة بحثية أعدها مركز عبد الله الحوراني للدراسات التابع لمنظمة التحرير "أن الاستيطان بدأ في الأغوار الشمالية منذ احتلالها عام 1967، بسبب قربها من الحدود الأردنية، وخصوبة أراضيها، ووفرة مياهها، وقربها من مدينة بيسان المحتلة عام 1948، وأقيمت أولى المستوطنات عام 1968 وهي مستوطنة "ميخولا" الزراعية، وتصاعدت وتيرة الاستيطان بعد طرح مشروع "ألون" للسيطرة على الأغوار الفلسطينية، حيث أقيمت 7 مستوطنات جديدة أغلبها ذات طابع زراعي وعسكري في آن واحد، بالإضافة إلى إقامة  3  بؤر استيطانية جديدة ".

"ويمثل النشاط الاقتصادي الاستيطاني أهمية كبيرة بالنسبة لدولة الاحتلال في هذه المنطقة، لما تحويه من أراضٍ زراعية خصبة بالإضافة إلى مزارع الأبقار الضخمة وعدد كبير من المصانع التي تعتمد على الإنتاج الزراعي والحيواني في تصنيعها لا سيما الأعشاب الطبية، ويقدر حجم أرباح المستوطنين من خلال الاستثمار في الأغوار الشمالية بحوالي 650 مليون دولار سنويا... وفي المقابل تخسر دولة فلسطين سنوياً حوالي 800 مليون دولار بسبب سيطرة الاحتلال على هذه المناطق".

ووفقا للمركز: "تعتبر منطقة الأغوار الشمالية ضمن الحوض المائي الشرقي الأكبر في فلسطين، ورغم ذلك تسيطر إسرائيل على 85% من مياه الأغوار الشمالية، فيما يتحكم الفلسطينيون بـ 15% المتبقية. وتشير الأرقام أن معدل استهلاك المستوطن القاطن في الأغوار الشمالية يبلغ 8 أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني".

وتوضح الورقة البحثية: "لا تسمح سلطات الاحتلال بإعطاء تراخيص لحفر آبار مياه للفلسطينيين مهما كان عمقها بينما تقوم شركة "ميكروت" بحفر الآبار التي يصل بعضها إلى عمق 100 متر بغية تزويد المستوطنات والمزارع التابعة لها بالمياه طوال العام، وقد أدت هذه السياسة إلى تجفيف عشرات الآبار والينابيع المنتشرة في المنطقة بفعل هذه الآبار العميقة... وتسعى إسرائيل إلى تدمير أبسط مقومات الوجود الإنساني في المنطقة بهدف الضغط على السكان من أجل الرحيل، خاصة أن هذه المنطقة تعتمد على الزراعة المروية كمصدر رزق أساسي".

وتضيف: "يلجأ السكان في الأغوار الشمالية إلى شراء صهاريج المياه بأسعار خيالية ويصل سعر الصهريج 3 كوب إلى 120 شيقلا، وغالبا ما يقوم جيش الاحتلال بملاحقة هذه الصهاريج ومصادرتها وفرض غرامات مالية كبيرة تحت حجج وذرائع أمنية واهية، ومؤخرا قامت سلطات الاحتلال بإغلاق عشرات فتحات المياه وتدمير مئات الأمتار من خطوط المياه بادعاء أنها غير مرخصة في مناطق خاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، مما تسبب بأزمة مائية خانقه في ظل الأجواء الصيفية الحارة".