بيتا.. أيقونة المقاومة الشعبية ضد الاستيطان

 


وفا – في الخامس من أيار الماضي، شرع مستوطنون بإقامة بؤرة "جفعات افيتار" الاستيطانية على قمة جبل صبيح، التابع لأراضي بلدات يتما وبيتا وقبلان جنوب نابلس، الأمر الذي فجّر شرارة غضب "لن تهدأ إلا بإزالة البؤرة الاستيطانية"، وفق ما يؤكد الأهالي.

وبلدة بيتا إحدى البلدات القليلة جنوب نابلس التي لم ينخر الاستيطان أراضيها حتى اليوم، ما زالت تجسّد النموذج الحي للمقاومة الشعبية في وجه الاحتلال، فتحوّل الجبل المحتل إلى ميدان مواجهة حقيقية منذ مطلع الشهر الماضي، ضمن معركة توحّد فيها أبناء البلدة من كافة الأعمار والفئات، فاستشهد الطالب والمعلم ووكيل النيابة، في سبيل اقتلاع البؤرة الاستيطانية.

الطفل أحمد زاهي بني شمسة (16 عامًا) الذي شيعت جماهير البلدة جثمانه ظهر اليوم، كان الشهيد الرابع الذي يرتقي خلال شهر من المواجهات الاحتجاجية لإزالة البؤرة الاستيطانية، وسبقه قبل أيام رفيقه محمد سعيد حمايل (15 عامًا)، ومعلم اللغة العربية زكريا ماهر حمايل (28 عامًا)، ووكيل النيابة عيسى عقل برهم (41 عامًا).

وتشير إحصائيات رسمية فلسطينية، إلى أن 618 مواطنًا أصيبوا منذ مطلع مايو/ أيار في بلدة بيتا خلال المواجهات التي تشهدها البلدة ليلًا نهارًا، احتجاجًا على إقامة بؤرة "افيتار" الاستيطانية على قمة الجبل.

ويقول نائب رئيس بلدية بيتا موسى حمايل لـ"وفا"، إن "ميثاق الشرف على رفض الاستيطان سجّلته البلدة بالدم منذ عام 1988؛ بعد أن أفشلت أولى محاولات إقامة المستوطنين بؤرة على أراضيها، فشباب البلدة وفعالياتها ومؤسساتها لن تقبل أي مستوطنة على أراضيها، وستبقى شوكة في حلق الاستيطان والمحتل".

ويؤكد حمايل أنه كما فشلت محاولة إقامة بؤرة في جبل العرمة العام الماضي ستفشل في جبل صبيح، منوهًا إلى أن 90% من أراضي البلدة واقعة في المنطقة المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو.

ويصف حمايل ممارسات الاحتلال بأنها "عملية إجرام وإعدام ممنهج بحق البلدة وأبنائها، فخلال شهر أعدم الاحتلال أربعة من شباب البلدة، واستهدف المتظاهرين بالرصاص الحي بشكل جنوني، حيث تركّزت الإصابات بالصدر والبطن والأطراف".

ويشير إلى أن جرائم الاحتلال وقنص الشبان التي إن لم تؤدِ لاستشهاد أحدهم ستجعله يرافق الإعاقة، تهدف لإرهاب أهالي البلدة وثنيهم عن مقاومة البؤرة الاستيطانية وفرض أمر واقع على الأرض، مؤكدًا "لكن لن تثني تلك الجرائم شباب البلدة عن المقاومة الشعبية حتى إزالة البؤرة الاستيطانية عن أراضيها".

ونظم مجمع فلسطين الطبي قبل أيام يومًا طبيًا في البلدة، حيث تركزت إصابة 39 شابًا بالأقدام وجميعهم يسيرون على العكازات، عدا عن الإصابات الأخرى في البطن والصدر والظهر، وأغلب بيوت البلدة فيها مصابون إثر المواجهات، وفقًا لحمايل.

وسيطر المستوطنون على قرابة 20 دونمًا من قمة الجبل، وأقاموا 30 "كرفانا" بمساعدة من جيش الاحتلال، كما شقّوا الطرق لها خلال أيام فقط، فيما يتخوف أهالي القرى الثلاث من السيطرة على كامل الجبل، والبالغة مساحته 840 دونمًا.

ويشير حمايل إلى أن أهالي بيتا يملكون 20-25% من مساحة الجبل الإجمالية، فيما تتبع بقية المساحات لأهالي قبلان ويتما، منوهًا إلى أن إقامة المستوطنة سيؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين وأرزاقهم والتواصل ما بين القرى الثلاث، نظرًا لقربها من الشارع الواصل بين زعترة ومدينة أريحا.

ووفق مدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس أحمد جبريل، فإن 55 مواطنًا أصيبوا بالرصاص الحي منذ مطلع أيار الماضي حتى أمس و74 بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، و435 بالاختناق بالغاز المسيل للدموع، و52 تعرضوا للضرب والسقوط، خلال المواجهات التي شهدتها بلدة بيتا.

ولم تكن تلك المحاولة الأولى التي سعى بها المستوطنون للسيطرة على الجبل، فقد شرعوا بإقامة بؤرة استيطانية عليه عام 2013، عقب مقتل مستوطن عند حاجز زعترة، وأطلقوا عليها اسم "جفعات أفيتار"، على اسم المستوطن الذي قتل عند الحاجز، كما حاولوا إحياء البؤرة عام 2018، عقب مقتل حاخام يهودي قرب مستوطنة "أرئيل" شمال سلفيت، لكن تلك المحاولتين فشلتا إثر المقاومة التي خاضها أهالي البلدة.

وفي التاسع من شهر حزيران الجاري، أصدر وزير جيش الاحتلال قرارا بإخلاء البؤرة وإمهال المستوطنين ثمانية أيام لتطبيق القرار، لكن رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو أجّل القرار، لإحراج نفتالي بينيت رئيس حكومة الاحتلال الجديد، وفق مراقبين.

مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة الغربية غسان دغلس تحدث لـ"وفا"، بأن نتنياهو رحّل أزمة جبل صبيح لحكومة اليمين الجديدة بهدف إثارة الرأي العام الإسرائيلي عليها في حال تطبيقها القرار، مضيفًا أن التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية على من يقتل أكثر من الفلسطينيين ومن يستوطن أكثر.

وأوضح دغلس أنه يجري جمع الوثائق الخاصة بأصحاب الأراضي، حيث استخرجوا "إخراج القيد" الذي يثبت ملكيتهم للأراضي، لتقدم أمام المحاكم الإسرائيلية بهدف إزالة البؤرة الاستيطانية، منوهًا إلى أن الأراضي في جبل صبيح تعود لـ87 مواطنًا من بيتا ويتما وقبلان، فيما تعود ملكية قمة الجبل التي أقيمت عليها البؤرة لـ17 مواطنًا من قبلان وأربعة آخرين من بيتا.

ويوضّح أن الهدف من السيطرة على الجبل، هو خلق امتداد للبؤر الاستيطانية والسيطرة على المناطق المرتفعة، وإنشاء شريط يتجاوز 120 مترًا من الشارع الممتد من زعترة حتى مدينة أريحا، مبينًا أن خطر بقاء هذه البؤرة يزداد، مع وجود حكومة يمينية متطرفة.

ونوه إلى أن الجمعيات الاستيطانية تضع بنك أهداف للاستيطان في قمم الجبال، وهذا ما يفسّر ازدياد حجم الإخطارات في قرى يتما وقبلان ودوما وغيرها، مشددًا على أن مخططات الجمعيات تهدف لتحويل المنطقة لـ "مدينة إسرائيلية"، تقطع أوصال المناطق الفلسطينية.