بعد فشل «إدارة النزاع» الـتـي قـادهـا نـتـنـيـاهـو عـلـى إسـرائـيـل أن تـعـود إلـى رؤيـة «حـل الـنـزاع»

 


بقلم: شاؤول ارئيلي وموتي كريستال

ترجمة جريدة "الأيام" - "هآرتس" تحوي حكومة إسرائيل الجديدة داخلها فجوات سياسية وايديولوجية ضخمة. ترميم الأنفاق التي تركتها حكومات نتنياهو وشركائه في اعقاب إضعاف الحكومة، وتآكل الديمقراطية، وتدمير النسيج الاجتماعي، هو التحدي الأول الذي يقف امام حكومة بينيت – لابيد. ولكن فشل رؤية "إدارة النزاع"، التي قادها بنيامين نتنياهو، يلزم الحكومة بأن تتخذ بالسرعة الممكنة قرارا سياسيا أساسه العودة الى رؤية "حل النزاع".

الفرق بين ادارة النزاع وحل النزاع هو في تركيز الوسائل. في ادارة النزاع يتم التركيز على خفض اللهب، واطالة الزمن بين جولات القتال، والفصل بين التطلعات الوطنية للفلسطينيين وبين التطلعات الشخصية لكسب الرزق وحرية الحركة، من اجل تعزيز الاستيطان اليهودي وخلق ظروف لضم الضفة الغربية أو جزء منها. حل النزاع مقترن باتفاق دائم يُطلب فيه من الطرفين التنازل الى الأبد عن جزء من طموحاتهما، وفي الوقت ذاته يحصلان على إجابة عن المسائل التي تقع في جذور النزاع.

فشلت إسرائيل في تحقيق اهدافها في إطار ادارة النزاع. ففي قطاع غزة، اضطرت الى مواجهة "حماس"، التي تتعاظم قدرتها، ومشروع الاستيطان في الضفة الغربية بعيد جدا عن تحقيق الشروط التي تسمح بالضم لإسرائيل، والعنصر الجغرافي في نظرية اليمين السياسي تلاشى بعد استبدال دونالد ترامب ودخول جو بايدن.

هذا الواقع السياسي يضع إسرائيل امام الحسم بين اختيارين بالنسبة للنظام فيها. الخيار الأول هو أن إسرائيل يمكنها التمسك بسياسة الضم الزاحف، لكن هذا سيسرع دفعها نحو موقف المجذومة في المجتمع الدولي، وسيضر بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ويهدم العلاقات مع الأردن ومصر، وسيوصل "حماس" الى موقف القيادة في "م.ت.ف"، وسيحول اتفاقات "ابراهيم" الى شعار ميت، وسيزيد التوتر القومي في أوساط "عرب إسرائيل"، وسيبعد يهود أميركا عن إسرائيل وسيزيد اللاسامية في العالم. لن يتعود العالم على الضم، خلافا لادعاءات رئيس الحكومة، نفتالي بينيت. ستعتبر إسرائيل ذات نظام "ابرتهايد"، وسيتعامل المجتمع الدولي معها بحسب ذلك، بصورة ستجبي من إسرائيل ثمنا اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا باهظا.

الخيار الثاني هو أن إسرائيل يمكنها أن تدخل الى عملية ترميم لعلاقاتها مع الفلسطينيين. تسوية موضوع قطاع غزة وتنفيذ خطوات تعزز الاستقرار والحوكمة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وتؤسس لقيادة موحدة تمثل الشعب الفلسطيني، وتكون مستعدة لاستئناف المفاوضات والتوقيع على اتفاق دائم على قاعدة القرارات الدولية. هذه السياسة تكون مقترنة باستعداد قومي واسع للانفصال، سياسيا وماديا، عن الفلسطينيين. كلما تمسكت إسرائيل بالخيار الأول وتجنبت الانتقال الى الخيار الثاني، فإن الثمن الذي ستدفعه سيرتفع. لذلك، يجب على الحكومة العودة الى سياسة حل النزاع. ولكن هنا يجب فحص ما هي جذور النزاع بيننا وبين الفلسطينيين.

في نظرية حل النزاع مطلوب الاهتمام بفحص الوقائع، لكن الاكثر من ذلك يجب فهم التفسير الذي يعطى لها من الطرفين، والوعي العام المتشكل على ضوء ذلك خلال السنين.

الوعي الإسرائيلي مبني على رواية تعتبر "فلسطين – ارض إسرائيل"، التي تشمل فضاء "ارض إسرائيل" وشرق الاردن (مؤتمر سان ريمو من العام 1920)، الوطن القومي الذي وعد به الشعب اليهودي في وعد بلفور، الوعد الذي استند الى الاعتراف الدولي باليهود كشعب له الحق الطبيعي في تقرير المصير في وطنه التاريخي، لكنه تجاهل عن وعي العرب الذين شكلوا الاغلبية الحاسمة في اوساط سكان البلاد، بروح الاقوال التي كتبها وزير الخارجية البريطاني، جيمس بلفور، في آب 1919: "الصهيونية... هي ذات اهمية اعمق ببضع مرات من الطموحات والمواقف المسبقة للـ 700 ألف عربي الذين يعيشون في هذه البلاد القديمة".

حسب الرواية الإسرائيلية، فإنه منذ 1920 "تنازلت" الحركة الصهيونية مرتين لصالح العرب. المرة الاولى كانت في 1922 عند إخراج شرق الاردن من سريان وعد بلفور، وتأسيس امارة شرق الاردن. ولكن الحقيقة التاريخية هي أنه في 1922 عاد وزير المستعمرات البريطاني، ونستون تشرتشل، وأكد: "حكومة جلالة الملك تريد لفت الانتباه الى حقيقة أن صيغة التصريح الدولي (وعد بلفور) لا تعني أن فلسطين بكاملها ستتحول لتصبح وطنا قوميا لليهود، بل هذا الوطن القومي سيقام في فلسطين". هكذا، فإن هذه الخطوة البريطانية حصلت على مصادقة عصبة الأمم.

التنازل الثاني كان في الموافقة على قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، الذي تقرر فيه أنه الى جانب الدولة اليهودية، التي ستمتد إلى 55% من مساحة البلاد، ستقام ايضا دولة عربية على 45% من المساحة. ولكن ايضا هنا لا يدور الحديث عن تنازل من قبل الحركة الصهيونية. أولاً، دافيد بن غوريون هو الذي طرح اقتراح التقسيم في رسالته التي أرسلها الى وزير الخارجية البريطاني، آرنست بيفن، في شباط 1947: "التسوية الفورية الممكنة والوحيدة هي اقامة دولتين (في ارض إسرائيل)، واحدة يهودية والثانية عربية".

ثانيا، الحدود التي تم اقتراحها في اقتراح التقسيم كانت هي الطريقة الوحيدة لمنح المساحة الكبرى للدولة اليهودية دون خرق وعد بلفور وصك الانتداب. فيهما اشترط أن تقام الدولة اليهودية "مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لكل سكان فلسطين، دون فرق في العرق والدين". بسبب الميزان الديمغرافي في فلسطين، الذي كانت نسبته 2: 1 لصالح العرب، فإن حدود التقسيم خلقت في المنطقة التي سيتم تخصيصها للدولة اليهودية اغلبية يهودية ضئيلة، 55%، والتي استهدفت التمكين من وجود هوية يهودية للدولة في نظام ديمقراطي. أحسن بن غوريون ترسيخ مكانة قرار التقسيم بالاعلان عن اقامة الدولة "على اساس قرار هيئة الامم المتحدة".

من هذه النقطة فصاعدا سعت قيادة إسرائيل الى توسيع حدودها طبقا للظروف. ورفض عرب البلاد الموافقة على قرار التقسيم، وشن الحرب مع الدول العربية مكن إسرائيل من توسيع حدود الدولة وجعلها تصل الى 78% من مساحة فلسطين. في حزيران 1948 اعلن بن غوريون في جلسة الحكومة بأن "قرار 29 تشرين الثاني مات. الحرب ستقرر حدود الدولة". وبعد 19 سنة على ذلك، بخطوة غير مسبوقة، اعترفت الامم المتحدة (القرار 242، بعد حرب "الايام الستة") بهذه الحدود (الخط الاخضر)، وطالبت بانسحاب إسرائيل في اطار اتفاق سلام فقط من مناطق احتلت في العام 1967.

الرواية الفلسطينية مختلفة كليا. ويجب علينا أن نتعرف عليها حتى لو كنا لا نتفق معها. بعيون فلسطينية، جذر النزاع يكمن في وعد بلفور الذي أعطي للشعب اليهودي، الذي لم يكن يعيش في البلاد، وليس لعرب البلاد الذين كانوا يشكلون الاغلبية المطلقة فيها، خلافا لفكرة تقرير المصير التي نصت بعد الحرب العالمية الاولى على أن "الارض تعود لسكانها وليس لمحتليها".

في كتابه "قضية فلسطين"، كتب ادوارد سعيد، وهو من كبار المفكرين الفلسطينيين، عن وعد بلفور: "تصريح قوته لا يمكن تخيلها إلا من قبل الذين يدركون بوضوح تركيبة السكان والواقع الانساني في فلسطين". ونصّ ميثاق "م.ت.ف" من العام 1964 بأن "العدوان ضد الشعب الفلسطيني وارضه بدأ في العام 1917".

حسب الرؤية الفلسطينية فإن كل الاحداث منذ العام 1917، بما في ذلك حرب 1948، كانت سلسلة من الخطوات للدفاع الذاتي عن حقوقهم التي سلبت في 1917. طوال سنوات، رفض الفلسطينيون القرارات الدولية، التي تعترف بحقوق الشعب اليهودي، ورفضوا كل اقتراحات تقسيم البلاد. وقد اعلن جمال الحسيني، ممثل اللجنة العربية العليا في مجلس الامن التابع للامم المتحدة في نيسان 1948: "لقد قلنا للعالم إننا لا نوافق على تقسيم فلسطين الصغيرة، وإننا ننوي المحاربة ضده (قرار التقسيم)". وفي العام 1964 كتب في الميثاق الفلسطيني: "تقسيم فلسطين، العام 1947، واقامة إسرائيل باطل من اساسه".

تغيير مبدئي ومهم في الموقف الفلسطيني حدث في تشرين الثاني 1988، عندما وافقت "م.ت.ف" على قرار التقسيم الذي يعترف بدولة يهودية وقرار 242 الذي يتضمن سيادة إسرائيل في "المناطق" التي تم احتلالها في "حرب الاستقلال". وبعد 71 سنة انتقل الفلسطينيون من خطاب يقوم على الحقوق المبدئية، على رأسها الحق في تقرير المصير في كل فلسطين – "ارض إسرائيل"، الى خطاب يقوم على القرارات الدولية، وترسخت لديهم رؤية حديثة لتسوية النزاع: "رؤية الـ 78 – 22". حسب رأيهم، تنازلوا عن الـ 78% من "وطنهم فلسطين" لصالح تأسيس دولة فلسطين على 22% من اراضيها دون أي سنتيمتر اقل من ذلك. احمد قريع (أبو العلاء) قال في العام 2000: "خطوط 1967 هي الحدود... نحن سنكون مستعدين للحديث عن تغييرات ضئيلة في هذه الخطوط شريطة أن تكون متبادلة ومتساوية بصورة مطلقة في الجودة والمساحة".

التوتر بين رواية إسرائيل ورواية الفلسطينيين طرح مرة تلو الأخرى في محاولة للتوصل الى حل للنزاع في ظل حكومة ايهود باراك (كامب ديفيد في 2000)، وحكومة ايهود اولمرت (انابوليس في 2008). لماذا؟ لأن الرواية التي تجذرت في وعي الإسرائيليين بعد حرب "الايام الستة" ارتفعت درجة حتى عملية "اوسلو": تحولت اراضي الضفة والقطاع من "اراض محتلة" الى "اراض مختلف عليها". ضمّ شرقي القدس اصبح حقيقة ثابتة. وعلاوة على ذلك، قال اسحق رابين في الكنيست في تشرين الاول 1995: "حدود دولة إسرائيل ستكون ما وراء الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب الايام الستة... في المقام الاول، القدس موحدة". قبل مؤتمر كامب ديفيد، اعتقد ايهود باراك أن هدف المفاوضات هو "تقسيم عادل لاراضي يهودا والسامرة". ومؤخرا، "صفقة القرن" لترامب، بتوجيه من نتنياهو، اقترحت أن يتم القضم بصورة فظة من الـ 22% التي تعتبر بالنسبة للفلسطينيين القليل الذي بقي.

العقد الاخير، الذي تميز بالجمود السياسي وسيطرة إسرائيل على مناطق "ج" التي تمتد على 60% من اراضي الضفة، نتجت عنه تصريحات أعادت الوعي الإسرائيلي خطوة اخرى الى الوراء: مناطق "ج" تعتبر، الآن، في نظر الإسرائيليين اراضي تعود لإسرائيل، وهكذا يكرر بينيت الرغبة في ضمها، وليس هي فقط. هذه مناطق محتلة. ولكن الوعي الإسرائيلي الجديد الذي تطور على خلفية هذه التصريحات يعتبر ضم مناطق "ج" خطوة معقولة؛ لأنه يعيش في هذه المناطق 450 ألف يهودي ونحو 100 ألف فلسطيني، رغم أن أكثر من نصف الاراضي هي بملكية فلسطينية خاصة.

بمفاهيم المفاوضات، من الواضح أنه في هذا الواقع لا يوجد "فضاء للاتفاق". ليس فقط بين مواقف الطرفين، بل بالأساس بين الرؤى التي تحدد الوعي العام. وحتى الآن، البشرى الجيدة هي أن مجال الاتفاق أو النضوج السياسي للاتفاق هي امور ديناميكية. اولمرت، على سبيل المثال، الذي هو صهيوني تنقيحي، عرف أنه ليس بالامكان تحقيق جميع اهداف الصهيونية الثلاثة وهي "ارض إسرائيل" والديمقراطية والاغلبية اليهودية. وقال لصحيفة "معاريف" في العام 2012: "من المفهوم أنه اذا تمكنت من العيش في كل جزء من ارض إسرائيل، والعيش بسلام مع جيراننا، والحفاظ على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، وايضا الحفاظ عليها كدولة ديمقراطية، وايضا الحصول على دعم من جميع المجتمع الدولي، عندما كنت سأفعل ذلك. ولكن هذا غير ممكن... القيادة المسؤولة يجب عليها... أن تستخلص الدروس المطلوبة والتخلي عن السياسة الشعبوية الرخيصة والتصرف بمسؤولية وعقلانية، وعدم البحث عن شعبوية سريعة وسهلة".

ايضا من الجانب الثاني، يوجد تبصر ودعوة للتمسك بمواقف براغماتية. "نحن نحارب إسرائيل ونسعى الى القضاء عليها، في الوقت الذي اصبحت فيه حقيقة واقعة وكيانا فعليا، ويوجد لها علاقات دولية وعلاقات صداقة مع كل دول العالم"، كتب في 2018 اسامة يماني، رجل القانون، الذي له عمود في صحيفة "عقاب" السعودية.

وماذا بعد؟ من المهم مواصلة المعركة، وأن نعرض على الجمهور رواية الطرف الآخر. حسب "مؤشر السلام" الاخير الذي نشرته جامعة تل ابيب (أيار 2021)، على الرغم من أن 57% من الجمهور يؤيدون اجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، فإن 68% لا يعتقدون أنها ستؤدي الى سلام مع الفلسطينيين. ايضا على الرغم من أن 63% يعارضون "استمرار الوضع القائم" فإن 46% يعتقدون أنه يوجد له الاحتمالية الأعلى للاستمرارية والوجود. عندما تفهم القيادة والجمهور مصدر النزاع، حتى لو كانوا لا يوافقون أو يقبلون موقف الطرف الثاني، تفتح ثغرة للتغيير. التوقعات من المفاوضات أصبحت واقعية. الاثمان المطلوبة من اجل التوصل الى اتفاق دائم اصبحت مفهومة اكثر. التصريحات التي تشكل الرأي العام اصبحت مسؤولية. "ادارة النزاع"، أو باسمها الآخر "استمرار الوضع القائم" أصبحت باهظة جدا وزائدة. والطريق الى تسوية النزاع تم شقها.