قيود على الذاكرة والجسد



وفا- تسمرت يسرى في مكانها غير مصدقة. هذا ليس إياد "صاحب البنية الجسدية القوية والعقل النظيف"، رجته باكية: "يما يا إياد ماتموتش، بنيت لك الدار"، وكررت رجاءها قبل أن تغادر غرفته "يما يا إياد ماتموتش"، لكنه لم يسمعها.

لم يُسمح ليسرى حريبات بالاقتراب من ابنها إياد أكثر، فصلتها عن سريره في مستشفى "سوروكا" الإسرائيلي خطوة واحدة، لم تلمس وجهه أو يديه أو تمسد على شعره أو تقبله، فالبكتيريا سممت جسده.

ذهلت الأم من حال ابنها الأسير إياد حريبات النائم تحت تأثير الأدوية في المستشفى، فاقدا وعيه، عندما زارته قبل أسبوع، بعد حصولها على تصريح، إياد لا يعرف من يتردد إلى غرفته، وجسده موصول بالأنابيب والحقن الطبية، ولا يستطيع التقاط أنفاسه دون جهاز اصطناعي.

يرقد إياد وهو أسير محكوم بالسجن المؤبد في المستشفى منذ 19 حزيران الماضي، بعد أن أصيب بنزيف أعقبه تسمم بكتيري بعد انفلات "الأنبوب الطبي" الذي وضع له مسبقا نتيجة مضاعفات حصر البول، بقي ينزف منذ الثانية فجرا ولغاية الثامنة والنصف صباحا، ولأن إدارة سجن "ريمون" لم ترأف بحاله، ولم تقدم له العلاج، فقد وعيه وادخل إلى المستشفى بحالة خطيرة.

طيلة ساعة ونصف من عمر المقابلة التي أجريناها مع يسرى حريبات (67 عاما)، للاستعلام منها عن حالة ابنها إياد عقب زيارته، لم نفلح في الحصول على معلومات منها، لأنها لم تتوقف عن البكاء، ما اضطرنا لإعادة الاتصال في اليوم التالي.

تحدثت الأم عن ابنها الذي من المفترض أن يكون الآن مهندسا زراعيا، حيث كان طالبا في جامعة خضوري، قبل أن يتم اعتقاله في 21 أيلول/ سبتمبر 2002، ويتعرض لتحقيق وحشي امتد لعامين، لم تستطع خلالهما زيارته، أو تعلم عنه شيئا.

بعد عامين تمكنت يسرى من زيارته في سجن "هدريم"، ورغم ما تعرض له من تعذيب وعزل، إلا أن "همته كانت عالية وكان كالمارد" هكذا تصفه، وبقي على هذا النحو لغاية عام 2014، حيث خاض إضرابا مفتوحا عن الطعام إلى جانب مئات الأسرى، حينها شرعت إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي بقمعهم ونقل عدد منهم للزنازين ومن بينهم إياد، ليصبح منذ حينها يواجه احتمالات الموت يوميا.

لستة أشهر عزل إياد حريبات ابن بلدة دورا جنوب الخليل في زنازين "هدريم"، واجه خلالها التعذيب والضرب ولم تتمكن العائلة من زيارته، ليخرج من العزل بعدها إنسانا آخر، فاقدا ليس وزنه فقط، إنما ذاكرته أيضا، التي كانت تزخر بكثير من التفاصيل والأحداث وأسماء الأحباء والأصدقاء والأماكن.

لا تعلم عائلة حريبات ما جرى مع ابنها إياد داخل الزنازين، لكن بعد أن استطاعت زيارته لاحقا أخبرهم بتعرضه للتعذيب، وإعطائه حقن وأدوية من قبل إدارة السجن ربما تكون ملوثة أو ليست العلاج الصحيح.

لكن يسرى تسترجع شريط ذاكرتها للعام المذكور، بعد أن ذهبت لزيارته في سجن "عيادة الرملة"، عقب نقله إليها، وهنا كانت صدمتها.

أحضر إياد على كرسي متحرك، ولا يستطيع تحريك يديه، وفقد أكثر من 30 كيلوغراما من وزنه، وحين رآها سألها بلسان ثقيل من أنت؟ أجابته، أنا أمك يا إياد وهذا أخوك موسى، رد عليها: لا، هذا كذب، أنت مخابرات وجئت للتحقيق معي، أخرجوا من هنا"، ثم عاد ليسألها: "كيف حال جميل أبو عطوان؟"، علما أنه استشهد عام 2002.

ونظرا لوضعه الصحي الصعب، نصح زملاء إياد من الأسرى عائلته بالعودة لزيارته بعد ثلاثة أشهر، لربما تكون حالته الصحية قد تحسنت، لكنه لم يتحسن باستثناء استطاعته تحريك يده قليلا. تقول يسرى إن الأسرى كانوا يلقنون ابنها الحديث، ويخبرونه أن هذه أمه، لكنه ظل ينكرها.

بقي إياد على حاله في "الرملة" لمدة ثلاث سنوات، وتحسن وضعه الصحي بفعل اعتناء الأسرى به، الذين كانوا يقومون بعمل تدليك لأطرافه بما يتبقى لديهم من زيت الزيتون، في ظل عدم اكتراث إدارة السجن لتقديم العلاج له، وعام 2017 نقل بناء على مطالبات الأسرى واحتجاجاتهم لسجن "ريمون"، وصار إياد يقف على قدميه، ويحرك يديه، لكن غابت الكثير من التفاصيل عن ذاكرته للحد الذي كان يسأل أمه كل زياره عن أولاده رغم أنه غير متزوج!.

لكن في العام المذكور، قمعته إدارة سجن "ريمون" ونقلته إلى زنازين "نفحة"، وهناك رشته بمادة الغاز، أدت إلى إحداث حروق في جسده، وتحول جلده إلى اللون الأسود، وبدلا من نقله إلى المستشفى، نقل إلى عزل سجن عسقلان فتراجعت صحته مجددا، وبضغط من زملائه الأسرى، نقل مرة أخرى إلى الرملة لكن لم يعطَ العلاج المطلوب.

ذهبت يسرى لزيارة إياد في "الرملة"، لكن هذه المرة هي لم تستطع التعرف عليه، بدا أكبر سنا من عمره الثلاثيني، وشعره يغزوه الشيب، على كرسي متحرك، يتكلم بكلام متداخل وغير مترابط أو مفهوم، وبقي طيلة الزيارة يسأل عن أولاده ويسمي أسماءهم! يصيبه التشنج في حال أصابته العصبية.

طالب الأسرى إدارة "سجن عيادة الرملة" بإعادته إلى ريمون للاعتناء به، وخاضوا خطوات احتجاجية لذلك، وأبدوا اهتماما به لحين تحسن وضعه الصحي، وبسبب انتشار فيروس "كورونا" توقفت الزيارة العائلية، لكن الأخبار التي كانت تصل للعائلة عن صحة إياد مطمئنة.

هاتف إياد أمه بعد أن انتزع الأسرى قرارا يسمح لهم بإجراء مكالمة هاتفية قصيرة لمرة واحدة، مع أقاربهم من الدرجة الأولى، تقول يسرى إن صوته بدا قويا وأفكاره مرتبة، وعاد لتذكر تفاصيل كثيرة، وسألها: "شو زرعت يما في الأرض؟" فأجابته كوسا وفقوس، تنهد إياد وأخبرها أنه منذ 20 عاما -هي التي أمضاها لغاية الآن في السجون- لم يتذوقهما، ولتُطيّب الأم خاطره أخبرته أنها اشترت له بـ200 شيقل ورق دوالي، وستطهوها له عندما يتحرر.

حزيران الماضي، دون مقدمات انتكست صحة إياد، ونقل مجددا إلى المستشفى تحت ضغط من الأسرى، وتبين لاحقا أنه مصاب بتسمم بكتيري، وبحالة إغماء، ولديه مشاكل مزمنة في البروستاتا، حيث أخبر الطبيب أمه يسرى بأن ابنها نقل إلى المستشفى على هذه الحالة نتيجة تأخر تقديم العلاج الطبي له.

تفتك الأمراض الخطيرة بأجساد أكثر من 550 أسيرا مريضا من أصل 5300 أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، هؤلاء يعانون أمراضا مختلفة بعضها مزمن وأخرى خطيرة، في وقت لا تكترث إدارة السجون بتقديم العلاج الطبي لهم، أو تقدم علاجا لا يتناسب مع التشخيص المرضي، ما يجعل أوضاعهم الصحية تتفاقم أكثر.

سياسة تعمد الاحتلال إهمال الأسرى طبيا، أدت إلى استشهاد 71 أسيرا، من بين (226) استشهدوا في سجون الاحتلال منذ عام 1967.

لا يفارق الهاتف يد يسرى، ينقبض قلبها كلما سمعت رنينه، فالأم المكلومة تخشى من اتصال يخبرها بأن إياد ارتقى شهيدا.