السماح لليهود بالصلاة في الحرم: بينيت يلعب بالنار

 



بقلم: دافيد هوروفيتس

"تايمز أوف إسرائيل" بعد أقل من أسبوعين من إعلان قائد لواء المظليين 55، اللفتنانت جنرال مردخاي (موطا) غور، أن "جبل الهيكل في أيدينا"، في إشارة إلى الحرم القدسي، في ذروة حرب "الأيام الستة" في العام 1967، قرر وزير الدفاع، موشيه ديان، أنه في الواقع، من حيث السلطة الدينية، لم تكن الأمور كذلك.

وفي اجتماع مع الزعماء الدينيين المسلمين على قمة الجبل في 17 حزيران من ذلك العام، تم التوصل إلى اتفاق بشأن ما يسمى الوضع الراهن المعاد صياغته، والذي بموجبه تستمر الأوقاف الإسلامية الأردنية في تحمل المسؤولية الدينية في الحرم القدسي تحت إشراف إسرائيلي شامل؛ وتكون الصلاة في الموقع للمسلمين فقط، في حين سيُسمح لليهود بالزيارة، ولكن لن يكون بإمكانهم الصلاة هناك.

كان هذا قرارا جذريا لافتا للنظر. بعد استعادة السيادة أخيرا في حرب دفاعية مريرة على أقدس مكان في اليهودية، موقع الهيكلين التوراتيين، ها هو وزير دفاع الدولة اليهودية التي أعيد إحياؤها يتخلى بشكل فوري عن حق اليهود في ممارسة شعائرهم الدينية هناك.

كان ديان يسعى بشكل عملي إلى تهدئة الاحتكاكات التي أعقبت الحرب مع العالم الإسلامي، والتي يعتبر فيها المسجد الأقصى ثالث أقدس المواقع الإسلامية. وكان يستخدم الحظر الديني، الذي يمنع حتى أن تطأ قدم يهودية في الحرم القدسي خشية أن تقوم عن غير قصد بتدنيس المنطقة التي تواجد فيها "قدس الأقداس" في الهيكل. كان الحرم القدسي في أيدي إسرائيل، لكن أقدس مكان لليهود للصلاة سيبقى "حائط المبكى".

على مدى عقود، غالبا ما انقلب صبر إسرائيل البراغماتي ضدها. فلقد استغل أعداؤها حقيقة أن الدولة اليهودية لم تصر على تأكيد السيادة الكاملة على الحرم القدسي بشكل قاطع، بما في ذلك الحقوق الدينية، للإدعاء بأنه من الواضح أن المنطقة ليست ذات أهمية قصوى بالنسبة لليهود، وبالتالي فإن اليهود ليسوا مرتبطين ارتباطا حقيقيا بهذه الأرض على الإطلاق. في حين أن تاريخ الهيكلين اليهوديين كان بديهيا في الإسلام قبل قرن من الزمان؛ فقد تم بناء المساجد على قمة الجبل بدقة لإثبات تفوق الإسلام على اليهودية، والآن يتم إنكاره بشكل متزايد، وحتى السخرية منه، بما في ذلك من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي أعلن أن المشروع الصهيوني بأكمله هو مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية.

يشعر الكثيرون في إسرائيل بخيبة أمل متزايدة ضد الحظر المفروض على صلاة اليهود في الحرم القدسي في السنوات الأخيرة.

المعارضة الحاخامية بدأت تتفتت تدريجيا، وقد حارب النشطاء القوميون المتدينون المتشددون هذا التقييد. تفاقمت هذه المرارة بسبب حوادث التدنيس الأثري من جانب دائرة الأوقاف الإسلامية.

لكن الحكومات الإسرائيلية، على جميع أشكالها السياسية، أعلنت مع ذلك التزامها بالوضع الراهن، وخلصت إلى أن توازن القوى الهش في هذه المنطقة يتطلب الحفاظ عليه.

والجدير بالذكر أنه في العام 2015، وسط إحدى جولات الاشتباكات العنيفة التي لا حصر لها حول الموقع، طمأن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الأردن على وجه التحديد – البلد الذي استولت إسرائيل منه على المدينة القديمة في العام 1967، والآن أصبح شريك سلام تشاركه إسرائيل أطول حدود – أن إسرائيل لن تسمح لليهود بالصلاة في الموقع. وقال نتنياهو متعهدا: "ستواصل إسرائيل تطبيق سياستها التي تعمل بها منذ فترة طويلة: المسلمون يصلون في الحرم القدسي؛ وغير المسلمين يزورون الحرم القدسي".


لكن في الأشهر الأخيرة، قادت السلطات الإسرائيلية بهدوء "ثورة تنكشف تحت الرادار"، التي تم التسامح من خلالها مع بعض الصلوات اليهودية في الموقع، بحسب ما أظهره تقرير للقناة 12.

في حين أنه في الماضي، كانت الشرطة تقوم بإخراج الزوار اليهود من المجمع لمجرد تمتمة بضع كلمات عبادة، وطُلب من مرشدين سياحيين مغادرة المكان لمجرد اقتباسهم من الليتورجيا اليهودية في سياق تفسيراتهم، فإن "منيان" (نصاب صلاة يضم عشرة أشخاص على الأقل)، بحسب ما كشف عنه التقرير التلفزيوني، يقوم منذ شهور بأداء صلاة الفجر في الحرم القدسي، ليس بعيداً عن قبة الصخرة الذهبية، تحت أنظار الشرطة الإسرائيلية، كما سُمح أيضا بإجراء فصول دراسية يهودية طويلة.

يوم الأحد، "تيشعاه بآف"، يوم الصوم الذي يخلد ذكرى دمار الهيكلين وسلسلة من اللحظات الحالكة الاخرى في التاريخ اليهودي، سُمح لنحو 1700 زائر يهودي بدخول الحرم القدسي، في أجواء متوترة كالعادة شهدت اشتباكات صباحية بين محتجين فلسطينيين في الأقصى والشرطة، تبعتها إدانات لأي زيارة يهودية إلى الموقع صدرت عن الأردن ومصر وتركيا والشريك العربي في الحكومة الإسرائيلية، حزب "القائمة العربية الموحدة".

بعد ظهر الأحد أصدر رئيس الوزراء نفتالي بينيت، الذي كان سعيدا بمرور الزيارات شديدة التوتر في هذا اليوم بهدوء نسبي، بيانا، باللغتين الانجليزية والعبرية، شكر فيه سلطات الأمن "على إدارة الأحداث في جبل الهيكل بمسؤولية واهتمام، مع الحفاظ على حرية العبادة لليهود على الجبل. كما أكد رئيس الوزراء على أن حرية العبادة في جبل الهيكل سيتم الحفاظ عليها بالكامل للمسلمين أيضا، الذين سيحتفلون قريبا بصوم يوم عرفة وعيد الأضحى".

لكن بالطبع، في ظل الوضع الراهن، لا توجد "حرية عبادة لليهود على الجبل".

طلبت "تايمز أوف إسرائيل" على الفور توضيحا من مكتب رئيس الوزراء. بعد يوم من تصوير القناة 12 للصلاة اليهودية التي غضت الشرطة الطرف عنها في الحرم القدسي، هل كان بينيت، الذي يترأس حزب "يمينا" القومي المتدين، يلمح إلى أن الترتيب الذي وضعه موشيه ديان في العام 1967 قد انتهى الآن؟

يمكن القول إن الحرم القدسي هو أكثر الأماكن قابلية للاشتعال في العالم. يمكن إعطاء مثالين قريبي العهد على ذلك، في العام 2000 أطلق "إرهابيون" فلسطينيون الانتفاضة الثانية بحجة زيارة زعيم المعارضة حينذاك، أريئل شارون، للموقع. أحدث صراع بين إسرائيل وغزة، في أيار الماضي، أشعلته حركة "حماس" مستفيدة بشكل جزئي من التوترات المتعلقة بالحرم القدسي.

بالنظر إلى الحساسيات الشديدة، كان من الممكن توقع توضيح سريع من مكتب رئيس الوزراء: نعم، الحكومة الإسرائيلية الجديدة تغير سياستها. أو لا، تمت صياغة البيان بشكل غير صحيح وسيتم تعديله وإعادة إصداره.

لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. ورداً على سؤال بشأن ما يجري ظهر وزير الأمن العام الإسرائيلي، من حزب "العمل"، عومر بارليف، على شاشة التلفزيون مساء الأحد ليعلن أن الوضع الراهن لم يتغير، وأن الصلاة اليهودية في الموقع لا تزال غير قانونية، وأن مكتب بينيت "أخطأ في صياغة الكلمات" على ما يبدو في بيانه. كان مكتب رئيس الوزراء يقصد أن يقول "حرية الحركة" لليهود في الحرم القدسي، كما زعم بارليف، وليس "حرية العبادة".

ومع ذلك، كان هناك صمت من مكتب رئيس الوزراء نفسه.

صباح الاثنين، نقلت إذاعة الجيش عن "مصادر لم تذكر اسمها" في دائرة رئيس الوزراء قولها إن البيان "صيغ بشكل غير صحيح".

على النقيض من ذلك، التقرير نفسه أشار إلى أن بينيت "تراجع عن إعلانه عن حرية العبادة لليهود في الحرم القدسي" في أعقاب "انتقادات من داخل الائتلاف".

يمكن بالطبع مراجعة القرار الذي اتخذه موشيه ديان في 17 حزيران 1967 ومناقشته بشكل شرعي من قبل الحكومة الإسرائيلية. لكن أي تحول في السياسة سيكون له آثار بعيدة المدى. تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي ليس خطوة يمكن الاستخفاف بها.

إن غض الطرف رسميا عن الصلاة اليهودية في الموقع، ثم إصدار بيانات يبدو أنها تؤيدها، قبل التراجع عنها نقلا عن مصادر مجهولة مع ترك التصريحات الرسمية دون تعديل، هي حالة لعب بالنار في نقطة اشتعال فريدة من نوعها.