عنف المستوطنين: قبل أن تأتي اللحظة التي تضطر فيها إسرائيل لإخفاء وجهها عن العالم

 


بقلم: شاؤول أرئيلي

"ترجمة الأيام" «هآرتس» لا يكرر التاريخ نفسه، ولا يمكن تعلُّم الدروس منه. مع ذلك، قليلة هي الحالات التي يطلب فيها تطبيق الدروس من حدث تاريخي في فترة حياة إنسان. الآن تطرق باب حكومة إسرائيل الحاجة إلى معالجة عنف عدد من المستوطنين ضد الفلسطينيين وضد قوات الأمن. فالآن، شبيهاً بعنف اليهود ضد العرب في أيام الدولة الأولى، أيضاً عنف المستوطنين يحدث في أجواء أوجدتها أفعال أو إخفاقات متخذي القرارات وواضعي السياسات.

تدل تقارير وسائل الإعلام وتقارير منظمات مختلفة على أن حكومة إسرائيل امتنعت في السنوات الأخيرة عن مواجهة عنف المستوطنين، لا سيما عنفهم ضد الفلسطينيين وأيضاً ضد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. أعمال العنف هذه تشمل الاعتداء الجسدي ومهاجمة السيارات في الشوارع ومهاجمة بيوت السكان والتسبب بأضرار للممتلكات الشخصية والأشجار والمزروعات والأدوات الزراعية الأخرى، والتهديد أيضاً بالسلاح.

وثقت جمعية «بتسيلم» وحدها في النصف الأول من العام 2021، 162 حادثة عنف. يعتبر هذا زيادة كبيرة ومستمرة مقابل العام 2020 الذي وثقت فيه «بتسيلم» 122 حادثة عنف. كتب ينيف كوفوفيتش («هآرتس»، 10/1): «من معطيات جهاز الأمن تبين أنه في 2020 تم الإبلاغ عن 370 حادثة عنف للإسرائيليين في الضفة، أكثر من 10 في المئة منها، 42 حادثة، تم توجيهها لرجال الشرطة والجنود. وحسب المعطيات فإن 206 من الـ 370 حادثة عنف هذه تم الإبلاغ عنها كجريمة قومية، 120 حادثة تم الإبلاغ عنها كعنف جسدي ضد فلسطينيين، وصُنّف الباقي كمهاجمة لرجال قوات الأمن. الآن أعلن الجيش الإسرائيلي أن مستوطناً قام بمهاجمة قائد دورية غولاني في تظاهرة احتجاج على موت أهوفيا سنديك.

نشرت جمعية «نحطم الصمت»، مؤخراً، عريضة وقع عليها 100 جندي مقاتل في الاحتياط تطلب من وزير الدفاع ووزير الأمن الداخلي «العمل الآن وبشكل حازم ضد ظاهرة عنف المستوطنين». أيضاً نشرت الجمعية كراسة بعنوان «مجندون»، فيها 36 شهادة لجنود على عنف مستوطنين في الأعوام 2012 – 2020، وضمن ذلك عنفاً ضد جنود الجيش الإسرائيلي، ووصف لشاويش في كتيبة دورية المظليين وشاويش في الإدارة المدنية عن أحداث في يتسهار في 2014 و2016.

صمتت حكومة إسرائيل، برئاسة بنيامين نتنياهو، في الغالب، ولم تعمل على استئصال الظاهرة. وكتب كوفوفيتش أنه أيضاً بعد أن حذر جهاز الأمن أمام المستوى السياسي من أن الصمت والإدانة المترددة لرؤساء اليمين بشأن العنف يمكن أن تؤدي إلى تصعيد بارز، لم يحدث أي تغيير في السياسات. حسب أقوال مصدر أمني، شخّص جهاز الأمن في السنوات الأخيرة عشرات محاولات المس المتعمدة بقواته بعد عقد كان فيه العدد منخفضاً بدرجة أقل بكثير. في السنتين الأخيرتين هناك «أجواء» تناسب التصعيد. اقتبس كوفوفيتش عن مصدر رفيع في جهاز الأمن، حسب قوله، فإن من يسمون «شبيبة التلال» يتغذون على «الخطاب المتطرف الذي يعطي الشرعية للإرهاب والمس العنيف بقوات الأمن».

أيضاً سياسة قيادة الاستيطان العبري ودولة إسرائيل في «حرب الاستقلال»، التي استهدفت تقليص عدد العرب في الدولة، أنتجت «الأجواء العامة»، وهذا استمر أيضاً بعد انتهاء المعارك والتوقيع على اتفاقات الهدنة. في الهدنة الأولى قال في إحدى جلسات الحكومة وزير الخارجية في حينه، موشيه شرتوك (17 حزيران 1948): «الفرصة التي سنحت لنا في الوضع الحالي كي نحل مرة واحدة وبشكل أساسي المشكلة الأكثر إزعاجاً للدولة اليهودية (الأغلبية العربية)، تذهب بعيداً أكثر مما توقعنا. وحتى لو لم يتم منع حدوث اضطرابات معينة، يجب علينا استغلال الفرصة التي أعطانا إياها التاريخ بهذه السرعة وبشكل غير متوقع».

المجال هنا ضيق لوصف جميع أعمال الطرد التي حدثت، في الوقت ذاته عند هروب الفلسطينيين، في زمن تطبيق هذه السياسة غير الرسمية. من بينها أعمال فظائع كثيرة تم إخفاؤها وطمسها. الأفعال التي تم الكشف عنها لم تنته بعقاب رادع. على سبيل المثال، في 1 تشرين الثاني 1948، بعد احتلال قرية الحولة التي تقع على الحدود مع لبنان، جمع جنود لواء كرميلي عشرات الشباب وقاموا بحشرهم في أحد البيوت. بعد ذلك أطلقوا النار عليهم وفجروا البيت. قُتل بين 34 – 58 رجلاً في هذه العملية. قائد الفصيل المسؤول تم تقديمه للمحاكمة، وحكم عليه سبع سنوات سجن. ولكن عملياً لم يقض عقوبته.

في العقد الأخير سياسة صم الآذان، التي انتهجتها حكومة إسرائيل، تذكر بعجز حكومات إسرائيل بعد قيام الدولة. حسب معطيات جمعية «يوجد حكم» فإن 91 في المئة من ملفات التحقيق بسبب أعمال إجرامية قومية متطرفة ضد فلسطينيين في الأعوام 2014 – 2019 تم إغلاقها دون تقديم لوائح اتهام. 82 في المئة من ملفات التحقيق بسبب جرائم قومية متطرفة ضد فلسطينيين في الأعوام 2005 – 2009 أغلقت بسبب إخفاقات الشرطة. من بين الـ 1252 ملف تحقيق انتهى علاجها بين الأعوام 2005 – 2009، فقط 100 ملف منها انتهى بتقديم لائحة اتهام. 736 ملف تم إغلاقها بذريعة «مجرم مجهول» (64 في المئة من الملفات التي أغلقت). أي أن الشرطة قررت أنه تم في هذه الملفات مخالفة جنائية، لكنها فشلت في العثور على مشبوهين بتنفيذ هذه المخالفة. من بين 63 مخالفة جنائية لمدنيين إسرائيليين في بلدات فلسطينية في الأعوام 2017 – 2020 قدمت للشرطة شكاوى في 60 من هذه الحالات. منها كان هناك تحقيق للشرطة في 38 ملفاً. وهذه الملفات لم ينتج عنها حتى لائحة اتهام واحدة. الأجواء التي نشأت ضربت الدولة مثل السهم المرتد بعد «حرب الاستقلال»، وهي الدولة التي كانت تريد الوقوف على أقدامها. المواجهة بين اليهود والعرب لم تنته مع انتهاء الحرب. فقد عانت إسرائيل في هذه السنوات من ظاهرة «المتسللين». في البداية كان هؤلاء لاجئين أرادوا العودة إلى قراهم وبيوتهم التي تركوها أثناء الحرب، أو لفلاحة أراضيهم التي كانت لهم. وبعد ذلك نفذ المتسللون أعمال سطو وقتل (غيدي فايتس، «هآرتس»، 2/4/2016). على هذه الخلفية زادت أعمال القتل لعرب على أيدي يهود. دافيد بن غوريون وصف في جلسة للحكومة في العام 1951 تأثير «الأجواء» والرؤية العامة وموقف الحكومة: «بشكل عام، من يوجد لديه سلاح يستخدمه، لا سيما عندما يوجد لدينا الآن مهاجرون وأيضاً من أبناء البلاد الذين يعتقدون أن اليهود هم بشر ولكن العرب لا يعتبرون بشراً. وكل شيء مسموح ضدهم. وهناك من يعتقدون أن قتل العرب هو أمر إلهي، وأن كل ما تقوله السلطات ضد قتل العرب هو غير جدي، وأنه مجرد تظاهر فقط بأنه محظور قتل العرب. ولكن عملياً هناك ترحيب بذلك لأنه سيكون لدينا عدد أقل من العرب في البلاد.

«العنف شديد ضد العرب» - كما يواصل بن غوريون، «الوضع هو مخيف في مجالين. الأول، أعمال القتل. الثاني، أعمال الاغتصاب» – أثر بشكل كبير على نقاشات الحكومة حول إلغاء عقوبة الإعدام. اعتقد بن غوريون أنه «طالما لم يتم شنق جندي يهودي بسبب قتل عربي فإن أعمال القتل لن تتوقف». ومثلما كانت الحال في حينه هي هكذا الآن أيضاً. يجب على حكومة إسرائيل أن تعمل بشكل حازم على اجتثاث العنف ضد الفلسطينيين بجميع الوسائل المتاحة لها. ومن أجل ذلك، لا توجد حاجة إلى إعادة عقوبة الإعدام. وزير الدفاع، بيني غانتس، سارع ورد على الجنود الذين وقعوا على عريضة «نحطم الصمت»: «أعتقد وعلى ثقة بأن رسالتكم تنبع من رؤية وطنية لحب الشعب والوطن». وقد تعهد غانتس بأن «التعليمات الواضحة للجيش الإسرائيلي هي العمل بصورة فعالة لحماية الأمن والنظام في يهودا والسامرة». وصمم رغم كل الدلائل على أن «خرق النظام من الطرف اليهودي، الذي حتى لو كان استثنائياً جداً، موجود ويتم علاجه».

حكومة إسرائيل لا يمكنها توقع الغفران إذا لم تفهم الدروس الواضحة من التاريخ القصير لدولة إسرائيل. غولدا مئير استفادت بالفعل من الاعتذار في العام 1951، عندما كانت وزيرة العمل، عندما اعترفت «لم نفعل ما كان يجب علينا أن نفعله، لا سيما في هذه المرحلة من الجرائم ضد العرب. يجب على الحكومة العمل بحزم من أجل ألا نصل بسبب أقلية صغيرة جداً ومتطرفة إلى لحظة تشبه اللحظة التي وصفها بن غوريون في جلسة الحكومة تلك من العام 1951: «لقد حدثت أمور خطيرة في البلاد، بعد وقت قصير ستأتي اللحظة التي لن نستطيع فيها أن نظهر وجوهنا للعالم».