حان الوقت لتعيد إسرائيل النظر في سياستها تجاه السجناء الفلسطينيين

 


بقلم: إسحق لمبل

ترجمة "جريدة الأيام" كيف تنظر إسرائيل إلى السجناء الأمنيين الفلسطينيين: كمجرمين ارتكبوا جرائم خطيرة أم كأسرى حرب لهم حقوق؟

يرى الفلسطينيون في السجناء الأمنيين أبطالاً وأسرى حرب، يجب دعمهم ودعم عائلاتهم والعمل على تحريرهم، وتعتبرهم دولة إسرائيل مجرمين جنائيين أضروا بأشخاص أبرياء، لكن عمليا وبصورة استثنائية مقارنة مع دول العالم الحر الأخرى تتعامل معهم كأسرى حرب على خلفية أيديولوجية. هذه النظرة من قبل الدولة للسجناء تبدو فعليا في ثلاثة أصعدة.

مكانة خاصة. السجناء الأمنيون يوضعون في السجون في غرف حسب انتمائهم التنظيمي. خلافا للآخرين، سلوكهم في السجن مستقل. فهم مسؤولون عن إدارة النظام اليومي ومعيشتهم وأكلهم. وتحدد قيادة التنظيمات في السجن سياسة تنظيمية في السجن وخارجه. هذا ما حدث مثلا مع أحمد ياسين ويحيى السنوار من «حماس»، اللذين كانا أسيرين، ومع مروان البرغوثي من «فتح» وغيرهم.

إلى جانب القرارات السياسية فان القيادات تشغّل وتوجّه خلايا «إرهابية» على الأرض لتنفيذ عمليات، مع التأكيد على الاختطاف من أجل المساومة.

الصليب الأحمر وميثاق جنيف. خلافا للسجناء السياسيين الإسرائيليين فان السجناء الفلسطينيين يحظون بزيارات من «الصليب الأحمر» ومعاملة حسب ميثاق جنيف. في هذه الأيام تجري في باريس محاكمة صالح عبد السلام، الإرهابي من «داعش» الذي نفذ العملية في نادي «بتكلان» في العام 2015، وقتل فيها 130 شخصا وأُصيب 330 شخصا. في بداية محاكمته قال: «تنازلت عن عملي من أجل التحول إلى جندي في الدولة الإسلامية. أريد أن أشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».

في فرنسا، خلافا لإسرائيل، لا يعتبر صالح عبد السلام سجينا سياسيا. ومن الواضح أنه لا يحظى بزيارات من الصليب الأحمر ومعاملة حسب ميثاق جنيف.

في العام 2018 عيّن وزير الأمن الداخلي، جلعاد اردان، المفتش شلومو كعطابي ليفحص الموضوع في إطار «لجنة خاصة لفحص موضوع السجناء الأمنيين». وقدمت توصيات اللجنة للوزير في العام 2019 ولم يتم تطبيقها بعد.

صفقات تبادل الأسرى. السجناء الفلسطينيون، بمن فيهم الذين أدينوا في المحكمة وحكم عليهم، يتم شملهم في صفقات تبادل الأسرى. في صفقة مع حركة فتح في العام 1983 تم تبادل ستة جنود أسرى من «الناحل» مقابل 4765 «مخرباً»، معظمهم من لبنان.

وفي صفقة «جبريل» في العام 1985 أطلقت دولة إسرائيل سراح 1150 سجيناً أمنياً مقابل إطلاق سراح ثلاثة جنود تم أسرهم من قبل تنظيم أحمد جبريل.

ثبتت الصفقة فعليا إمكانية أن السجناء الأمنيين الذين حكم عليهم سيتم إطلاق سراحهم عبر مفاوضات في إطار صفقات لتبادل الأسرى.

في إطار اتفاقات أوسلو تم إطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين الذين حكم عليهم على عدة دفعات.

في العام 2004 تم إطلاق سراح 450 «مخرباً»، من بينهم الشيخ عبيد ومصطفى الديراني وسمير قنطار، الذي قتل في نهاريا أربعة إسرائيليين، بينهم طفلان صغيران. كان هذا جزءاً من «صفقة تننباوم»، التي تمت فيها إعادة جثث جنود من الجيش الإسرائيلي، جثة ايهود غولد فاسر وجثة الداد ريغف. وأخيرا في تشرين الأول 2011، في صفقة جلعاد شاليت، تم إطلاق سراح 1027 سجينا، بينهم «قتلة» ومنفذو عمليات تفجيرية، حكم عليهم ببضعة مؤبدات. مثال غير معقول هو قصة ناصر أبو حميد، من مخيم الأمعري للاجئين قرب رام الله. في العام 1994 حكم عليه بتسعة مؤبدات على قتل تسعة فلسطينيين اتهموا في نظره بأنهم عملاء، من بينهم نساء. عمليات القتل اعتاد على تنفيذها بالسكاكين. في العام 1999 تم إطلاق سراحه في إطار اتفاقات اوسلو. بعد إطلاق سراحه تم تعيينه قائداً للذراع العسكرية في «فتح»، «كتائب شهداء الأقصى» في رام الله، وكان الذراع اليمنى لمروان البرغوثي في الانتفاضة الثانية، وقاد عمليات كثيرة. في العام 2001 اعتقل أبو حميد وتمت إدانته بقتل سبعة مواطنين إسرائيليين و12 محاولة قتل. وقد حكم عليه بسبعة مؤبدات و50 سنة بالسجن الفعلي.

وفي العام 2011 تم إطلاق سراحه مرة أخرى في إطار صفقة جلعاد شاليت.

السؤال هو هل يدور الحديث عن قاتل متسلسل لأبناء شعبه وإسرائيليين أبرياء، أم عن مقاتل حرية؟ المحاكم في إسرائيل حكمت عليه بصورة متراكمة بـ 16 مؤبدا و50 سنة سجن بسبب عمليات القتل. فعلياً، تعاملت الدولة معه كأسير، وتم إطلاق سراحه في صفقة لتبادل الأسرى.

في العام 2008 شكل وزير الدفاع، ايهود باراك، لجنة برئاسة القاضي مائير شمغار لفحص سياسة صفقات «تبادل الأسرى». استنتاجات اللجنة التي تمت مناقشتها في الكابنت الأمني في 2014 لم يتم تبنيها كقرار حكومي. ومن الواضح أن صفقة شاليت في 2011 تم عقدها دون أن يتم أخذ توصيات اللجنة في الحسبان.

تتراوح نظرة دولة إسرائيل للسجناء الفلسطينيين بين رؤية، ربما مبدئية، أن الأمر يتعلق بمجرمين حكم عليهم بسبب مخالفات جنائية، جزء منها عنيف ويتضمن المس بالأرواح وقتل مدنيين أبرياء، وتمت إدانتهم في المحاكم وحكم عليهم، وبين النظر اليهم فعليا كسجناء أمنيين، وأسرى يجب التعامل معهم حسب قواعد ميثاق جنيف، وأنه يمكن إطلاق سراحهم في صفقات لتبادل الأسرى.

داخل هذا التناقض «تسقط» أيضا مصلحة السجون. رغم الفشل والخلل الشديد الكامن في هروب السجناء يجب أن نذكر أي واقع يجب على مصلحة السجون أن تتعامل معه، والسؤال المهم هو هل يمكن تغيير النظرة القائمة فعلياً؟

هل الضبابية بين هذه الرؤى تخدم الدولة وتسمح بمرونة سياسية؟ ما هي الأهمية بالنسبة للمستويات التنفيذية الميدانية؟ كيف يفهم الفلسطينيون ذلك؟ الواضح هو أن الموضوع يجب أن يكون محل نقاش.

حان الوقت لتكون هناك رؤية سياسية شاملة لحكومة إسرائيل. كخطوة أولى أوصي ببلورة سياسة واضحة لتبادل الأسرى، على قاعدة توصيات لجنة شمغار. بلورة سياسة تقتضي إيجاد حدود واضحة لحكومة إسرائيل، وتخفض توقعات الفلسطينيين من مفاوضات مستقبلية، وتؤثر في الدافعية لتنفيذ عمليات اختطاف ومساومة.

إضافة إلى ذلك، يجب مناقشة توصيات لجنة كعطابي فيما يتعلق بالتعامل مع السجناء في السجن، وبالطبع في الجوانب الأمنية. يجب توزيع الأسرى حسب مستوى «جرائمهم» وخطورتها، مع التأكيد على الذين «أيديهم ملطخة بالدماء»، بمن فيهم القادة، وعزلهم عن السجناء الآخرين. يجب اعتبارهم جنائيين خطرين، والتعامل معهم يشبه ما هو متبع في الدول العربية. السجناء الذين حكم عليهم وأُدينوا بجرائم على المستوى الجنائي المنخفض يحصلون على شروط مريحة أكثر، بما في ذلك عملية إعادة تأهيل واكتساب مهنة. ووجودهم في السجن يكون حسب معايير اجتماعية مقبولة، مع عزل العوامل السلبية.

هناك معانٍ واسعة كثيرة لتوزيع التنظيمات الفلسطينية في السجون، إلى جانب وضعهم في غرف، وفعليا هذا التوزيع يعتبرهم سجناء سياسيين في مكانة «أسرى حرب». لذلك، من المهم إعادة الدولاب إلى الخلف رغم تعقيد ذلك.

من الواضح أنه ينتظرنا حدوث معارضات دولية وفلسطينية شديدة لهذه الخطوات، التي تنبع من رؤيتهم بأن الأمر يتعلق بمحاربي حرية وأسرى. لهذا، يجب أن يكون التطبيق الفعلي مندمجاً بعمليات سياسية وإعلام.