Adbox

“القدس العربي”: لن يؤثّر قرار كندا بمنع تصدير السلاح لإسرائيل في حربها على غزة، فهو غير حاسم الآن، لا من ناحية الكم، ولا من ناحية الكيف. ومع ذلك أثار القرار غضباً إسرائيلياً بسبب القيمة الهامة للقرار في المعركة على الوعي والرواية.

إن إعلان كندا مثل هذا القرار يستبطن نوعاً من إدانتها، فأصحاب القرار يفترضون، في هذه الحالة، أن جيش الاحتلال يستخدم الأسلحة بشكل غير قانوني، ويقتل به المدنيين الفلسطينيين. ولذا تعرب جهاتٌ في إسرائيل عن قلقها من تدارس البيت الأبيض إمكانية وقف تزويدها بالسلاح، كما توضح صحيفة “يسرائيل هيوم”، اليوم الأربعاء، وحتى لو بقيت الفكرة بدون تطبيق فإن تداولها يعكس ضوءاً سلبياً على مكانها وصورة إسرائيل، فهذا ينزع عنها رداء الضحية، ويدينها عملياً بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي، أو على الأقل يثير الشبهات بتورّطها بذلك، خاصة عندما يأتي الحظر من دول غربية صديقة.

في محاولة للضغط على كندا وردع دول غربية أخرى من الاقتداء بها، سارع وزير الخارجية في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس لمهاجمة القرار، ومحاولة إنتاج نوع من تأنيب الضمير، والتلويح بعقدة الذنب مجدّداً، بقوله إن “التاريخ سيقاضي كندا”، وإن الحكومة الكندية قامت بخطوة تزعزع حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها مقابل “قتلة حماس الذين اقترفوا جرائم ضد المدنيين”.

ورغم قرار كندا وغيره، تبقى مواقف الدول الغربية، حتى الآن، بحراً من الأقوال، وقطرة من الأفعال، وانتقاداتها لإسرائيل منضبطة، إنْ لم تكن خجولة ومصابة بازدواجية المعايير، وأحياناً تبدي أوساطٌ غير رسمية في إسرائيل انتقادات لها ولحربها على غزة أكثر حدّة ووضوحاً من حكومات غربية وعربية.

الابنة المدلّلة

هذا التعامل الغربي مع إسرائيل باعتبارها “الابنة المدلّلة” مقابل “داعش الفلسطيني”، هو ما يفسّر استمرارها في حرب متوحشة تقتل فيها يومياً 100 فلسطيني في المعدّل، منذ السابع من أكتوبر، وسط فرض حصار وتجويع غير مسبوق.

رغم مرور 168 يوماً، ما زالت إسرائيل فعلياً غير مكترثة لهذه الانتقادات، الرسمية وغير الرسمية، في العالم، مثلما أن محكمة العدل الدولية لم تنجح في فرملتها وردعها عن ارتكاب جرائم حرب، أخطرها قتل آلاف النساء والأطفال، كما يؤكد محرّر الشؤون الشرق أوسطية في صحيفة “هآرتس” الدكتور تسفي بار إيل.

لكن الابنة المدللّة باتت غير محتملة وغير منطقية لتصرفها بشكل يدوس القانون والمعايير والشرائع أفقد حليفاتها الغربيات (والعربيات) ماء الوجه، وتسبّب لهن بالحرج، فرغم التوافق على الهدف بتدمير “حماس” وتفكيك قدراتها العسكرية والسلطوية، طالت الحرب أكثر بكثير مما توقعوا، وغرقت غزة في دمها أمام عالم عَجِزَ عن إدخال الغذاء والماء لها بطريقة حقيقية، ولجأ بعض الدول لعمليات إنزال الأغذية من الجو، بما يشبه مناورة علاقات عامة.

 دولة منبوذة

ومع ذلك إسرائيل تخسر المعركة على الوعي والرواية في الشارع العالمي، وعلى صعيد المجتمعات التي ما زالت تتظاهر ضد جرائم الحرب الإسرائيلية على غزة.

في الوضع الراهن، وفي المنظور القريب، هذا الانزياح في العالم لجانب غزة لا يردع إسرائيل عن مواصلة غيّها، بيد أن خسارتها في المعركة على الوعي ستكلّفها مستقبلاً الكثير، بعدما باتت بنظر مئات ملايين البشر دولة مصابة بالجذام، وموبوءة، ومارقة، وعملية تخفيف الأضرار ستحتاج جهداً ووقتاً كبيرين، فمشاهد الدم والطفولة المذبوحة في غزة لن تغادر الذاكرة العالمية بسرعة، فيما باتت مشاهد السابع من أكتوبر بعيدة وشبه غائبة.

على هذه الخلفية تسلّط صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم، الضوء على خطورة تفاقم ما تسميه “المعركة في الحلبة الدولية”، موضحة أن هذه تشهد معركة على الوعي ومعركة قضائية خطيرة. وتقول الصحيفة إنه فيما يقاتل الجيش داخل القطاع، فإن الصراع في الساحة العالمية يتفاقم ويزداد حدّة، وتكشف عن قيامه بتجنيد عشرات الحقوقيين المختصين، وتحويل القسم الدولي في النيابة العامة لكتيبة قضائية برئاسة حقوقي بدرجة جنرال.

وتنقل “يديعوت أحرونوت” عن مصدر قضائي إسرائيلي تحذيره بالقول إن تقرير ريتشارد غولدستاين الأممي، بعد حرب “الرصاص المصبوب ” على غزة عام 2008، سيكون “شمة هواء في المتنزه”، مقارنة مع ما ينتظر إسرائيل في العالم بعد الحرب الدائرة الآن.

لا يجيدون الإنكليزية

وعبَّرَ رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو عن إحباطه وغضبه على فشل ماكنة الدعاية الإسرائيلية في العالم بطريقة استدرجت المزيد من الانتقادات له، حيث قال، خلال اجتماع سري للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، إن “الموظفين المسؤولين عن الدعاية والعلاقات العامة في إسرائيل لا يعرفون ربط كلمة بكلمة وتكوين جملة مفيدة باللغة الإنكليزية”، وهو بذلك يواصل تعليق التهم على حبال غيره، ورفض تحمّل المسؤولية عن أي فشل.

بيد أن المشكلة أكبر وأخطر بكثير من عدم إجادة الإنكليزية من قبل وزراء وموظفين إسرائيليين كبار يتحدثون بإنكليزية مثيرة للسخرية والضحك، فالأصل هو بارتكاب جرائم ضد البشرية، ومحاولة إبادة الغزيين، منذ نحو ستة شهور، وسط نقل للمذابح في بثّ حيّ ومباشر للعالم، ليس فقط بقنوات التلفزة التي تعتمد الفلترة والغربلة، بل من خلال منتديات وسائل التواصل الاجتماعي التي توصل الواقع بدون رتوش وتجميل وتشويه.

 إن محاولة تجميل واقع الدم المسفوح من قبل ماكنة الدعاية الإسرائيلية تبدو كمحاولة استخدام الميك أب لتحويل نتنياهو لمنافسة ملكة جمال، أو محاولة تحلية البحر الميّت بملعقة سكر.

وهذا كله قبل تورّط إسرائيل باجتياح برّي لرفح، والذي يثير مخاوف حتى الولايات المتحدة، التي تخشى أن تفقدها مذابح كبيرة وحتمية ما تبقى لها من ماء الوجه والمصداقية في العالم وداخل الولايات المتحدة.

أحدث أقدم