وفا - تشهد مدينة القدس، في ظل الحرب الإقليمية الدائرة، مرحلة مفصلية تحاول من خلالها إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض تمس جوهر الهوية الدينية والتاريخية للمدينة، في سياق يتجاوز البعد الأمني الظرفي نحو إحداث تغييرات عميقة ومستدامة في واقعها السياسي والديمغرافي.
ورغم أن المواجهات العسكرية المحتدمة بين قوى إقليمية ودولية تدور جغرافيا خارج الأراضي الفلسطينية، فإن تداعياتها السياسية والأمنية انعكست بشكل مباشر على الضفة الغربية، بما فيها القدس، لتتحول المدينة إلى ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل ملامحها تحت ستار التحولات الإقليمية.
وفي ظل انشغال العالم بمتابعة هذه التحولات، استغلت السلطات الإسرائيلية غطاء "حالة الطوارئ" لتسريع وتيرة فرض وقائع جديدة على الأرض، لتعيش القدس واحدة من أكثر مراحل "الحرب الصامتة" حدة، بما يمس وجودها الديمغرافي وهويتها الحضارية.
في هذا السياق، برزت سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة في المسجد الأقصى المبارك، تمثلت في استمرار إغلاقه أمام المصلين منذ أكثر 30 يوما، وإغلاق كنيسة القيامة في زمن الصوم الأربعيني الذي سبق عيد الفصح، وفرض قيود صارمة على دخول المسلمين والمسيحيين، في مقابل تسهيلات واضحة لاقتحامات المستعمرين الذين يواصلون أداء طقوسهم داخل باحاته.

جنود الاحتلال يغلقون أحد أبواب المسجد الأقصى
وشهدت الفترة الأخيرة تصعيدا خطيرا تمثل في محاولات إدخال قرابين حيوانية إلى المسجد الأقصى، في إطار سعي جماعات استعمارية إلى فرض طقوس دينية جديدة تمس بهويته الإسلامية، وهو ما يعكس انتقالا من مجرد الاقتحامات إلى محاولة تكريس واقع تعبدي موازٍ داخل الحرم الشريف، بما يمهد فعليا لتغيير الوضع القائم.
ولم تقتصر هذه الإجراءات على المقدسات الإسلامية، بل امتدت لتشمل المقدسات المسيحية، حيث منعت سلطات الاحتلال، في سابقة خطيرة، بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، الذي يرافقه حارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو يلبو، من دخول كنيسة القيامة أثناء توجههما للاحتفال بقداس "أحد الشعانين" حسب التقويم الغربي، رغم التنسيق المسبق وغياب أي مظاهر جماهيرية، وهو ما أثار موجة إدانات دولية واسعة اعتبرت الخطوة انتهاكا للوضع القانوني والتاريخي القائم في الأماكن المقدسة في القدس.
واعتبرت الرئاسة الفلسطينية، اغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمقدسات الإسلامية والمسيحية مساساً خطيراً بالوضع التاريخي والقانوني القائم، محذرة من استغلال سلطات الاحتلال التصعيد في المنطقة للمساس بالأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة.
وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية اعتبرت، أن هذه الإجراءات تشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وانتهاكا للوضع القائم، فضلا عن مساسها بحرية الوصول غير المقيد إلى أماكن العبادة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والعمل على إلزام إسرائيل وقف انتهاكاتها بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن منع بطريرك القدس من دخول كنيسة القيامة يمثل انتهاكا للوضع القائم في الأماكن المقدسة، مشددا على ضرورة تمكين أتباع جميع الديانات من ممارسة شعائرهم بحرية كاملة ودون خوف.

كنيسة القيامة في مدينة القدس
كما رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن منع المسيحيين في الأرض المقدسة من إقامة قداس أحد الشعانين في كنيسة القيامة يأتي ضمن سياق التزايد المقلق للانتهاكات التي تستهدف الوضع القائم للأماكن المقدسة في القدس، فيما ندّدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بما وصفتها "إساءة للمؤمنين"، في إشارة إلى منع بطريرك اللاتين من أداء القداس. وفي خطوة دبلوماسية لافتة، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استدعاء السفير الإسرائيلي في روما احتجاجا على هذه الخطوة، وطلب توضيحات بشأن القرار.
واعتبرت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، الانتهاكات الإسرائيلية ضد الأماكن المقدسة، تعديًا على الوضع القانوني والتاريخي القائم، محذرة من هذا التصعيد، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عملية للضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لوقف هذه الانتهاكات، والحفاظ على الوضع القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية.
بالتوازي مع ذلك، تتسارع الإجراءات الرامية إلى تغيير الواقع الديمغرافي في القدس، من خلال تكثيف عمليات الإخلاء القسري وطرد المواطنين وإجبارهم على هدم منازلهم، خاصة في مناطق مثل سلوان وقلنديا، حيث تواجه مئات الأسر خطر التهجير الوشيك.
وتترافق هذه السياسات مع إجراءات إدارية وتشريعية مشددة، تشمل سحب الهويات، وتعقيد شروط الإقامة ولمّ الشمل، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة وتعزيز الطابع الاستعماري فيها. كما تتواصل عمليات التوسع الاستعماري، لا سيما في محيط البلدة القديمة، بما يعزز الطوق الاستعماري حولها ويكرس السيطرة الإسرائيلية على مفاصلها الحيوية.
اقتصاديا، انعكست إجراءات الحصار المشدد بشكل مباشر على الحياة اليومية في القدس، وسادت حالة من الشلل الاقتصادي وتكدست الأسواق بالبضائع جراء ركود السياحة الدينية وتراجع حركة الزوار، فبات نحو 1400 تاجر في البلدة القديمة يواجهون خطر التوقف عن العمل وإغلاق محالهم.

محال وأسواق البلدة القديمة من القدس تبدو شبه خالية نتيجة الإغلاق والتضييق الذي يفرضه الاحتلال
كما طالت التداعيات قطاع التعليم، إذ تعاني 51 مدرسة تابعة للأوقاف الإسلامية قيودا تعيق أعمال الترميم والتطوير، إلى جانب حرمانها من تطبيق التعليم عن بُعد نتيجة ضعف البنى التحتية فيها ومنع سلطات الاحتلال إدخال الأجهزة والمنصات التعليمية، ما أدى إلى اتساع الفجوة التعليمية وتهديد مستقبل الطلبة.
وتشير هذه الوقائع، المتراكمة منذ سنوات، إلى مسار متدرج بدأ بتقليص دور الأوقاف الإسلامية، مرورا بفرض سيطرة وحصار مشدد على مداخل المسجد الأقصى، وبالسماح المتزايد لاقتحامات الجماعات اليهودية المتطرفة المتزايد، ترافقها كثير من طقوس ذات طابع تلمودي كالسجود الملحمي، وإدخال لفائف توراتية، وقرابين نباتية إلى باحات المسجد، وصولا إلى إغلاق الأماكن المقدسة في وجه المسلمين والمسيحيين خلال أوقات مقدسة لهم.
تعكس هذه التطورات المتسارعة، تحت ستار المواجهات الإقليمية، توجها واضحا لدى سلطات الاحتلال، نحو فرض سيطرة شاملة على إدارة الأماكن المقدسة، وتقويض مبدأ حرية العبادة، بما يمس بشكل مباشر الوضع التاريخي والقانوني القائم في مدينة القدس، ويؤشر على انتقال السياسات الإسرائيلية من استهداف جزئي إلى استهداف شامل للوجود الفلسطيني، في سياق استثمار اللحظة الإقليمية لفرض تغييرات يصعب التراجع عنها مستقبلا.

مواطنون يؤدون الصلاة في الشارع بعد منعهم من دخول المسجد الأقصى

مستعمرون يؤدون طقوسا تلمودية من بينها ما يُعرف بـ"السجود الملحمي" داخل باحات الأقصى
"الوضع التاريخي والقانوني القائم" في مدينة القدس، منظومة قانونية تاريخية تنظّم إدارة الأماكن المقدسة وتكفل حرية العبادة فيها، ويقوم في جوهره، على بقاء إدارة المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات الإسلامية بيد الأوقاف الإسلامية، مع ضمان حق المسلمين في الصلاة فيه دون قيود، وتنظيم زيارات غير المسلمين دون أداء طقوس دينية داخل الحرم. كما يشمل احترام خصوصية المقدسات المسيحية، وضمان وصول أتباعها إلى كنائسهم وممارسة شعائرهم بحرية.
ويستند هذا الإطار إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحماية دور العبادة في الأراضي المحتلة، وعدم جواز إحداث أي تغيير يمس طابعها الديني أو وضعها القانوني القائم، بما يحفظ التوازن الديني والتاريخي للمدينة ويصون هويتها المتعددة.
