Adbox

بتسيلم | التجمّعات الرعويّة الفلسطينيّة في تلال جنوب الخليل هي آخر التجمّعات المتبقّية من نوعها في المنطقة C الممتدّة على نحو 60% من مساحة الضفة الغربيّة وتشمل احتياطي الأراضي الذي تحتاجه مستقبلاً للتنمية العمرانيّة والزراعيّة والاقتصاديّة. تعاني هذه التجمّعات، منذ سنين طويلة، من سياسة الاضطهاد التي تتّبعها الدولة وأذرعها والتي تشمل، فيما تشمل، العُنف المنهجي الذي يمارسه الجيش والمستوطنون، هدم المنازل مراراً وتكراراً، فرض القيود على البناء والتطوير ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعيّة. وتهدف هذه السياسة إلى التضييق على السكّان الفلسطينيّين بحيث تصبح حياتهم جحيماً لا يُطاق فيُجبرون على الرّحيل عن منازلهم وأراضيهم.

في نهاية سبعينيّات القرن العشرين، أعلن الجيش الإسرائيليّ عن قرابة 30,000 دونم في منطقة مَسافر يَطّا في تلال جنوب الخليل منطقة عسكريّة مُغلقة لأغراض التدريبات العسكريّة وباتت تسمّى "منطقة إطلاق نار 918". يوجد في مسافر يطّا 12 تجمّعًا فلسطينيًّا استقرّ فيها سكّانها قبل أن تحتل إسرائيل الضفة الغربيّة في العام 1967. وقد خاض السكان، على مدى عشرات السنين منذ إعلان هذه الأراضي منطقة إطلاق نار، معارك ضدّ تهجيرهم ومن أجل البقاء والعيش فوق أراضيهم.

مستوطنون يضربون محمد أبو صبحة بالهراوات وهو مطروح أرضًا. من شريط سجلته كاميرات المراقبة، قدّمه الأهالي مشكورين


منذ العام 2021 كثّفت إسرائيل مساعي تهجير التجمّعات فأضيفت إلى وسائل السّلب البيروقراطيّة والعسكريّة هجمات يشنّها مستوطنون مسلّحون. وقد تصاعدت وتيرة العُنف وشدّته بعد تشرين الأول 2023، بالتزامُن مع الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة. منذ كانون الثاني 2021 وثّقت بتسيلم ما لا يقلّ عن 395 هجمة شنّها مستوطنون على سكّان ومُزارعين فلسطينيّين في المنطقة، وهو رقم لا يعكس حجم الهجمات في الواقع. خلال السّنتين الماضيتين، قتل مستوطنون، اقتحموا أراضي زراعيّة فلسطينيّة خاصّة، اثنين من السكان الفلسطينيّين: عودة الهذالين، من أم الخير، في 28.7.25 وأمير شنّاران في خربة وادي الرخيم في 7.7.26.

يُمارَس عُنف الدّولة بأشكال مختلفة، سواء نفذته هيئات رسميّة بما فيها الجيش والشرطة والإدارة المدنيّة، أو ميليشيات المستوطنين المسلّحة التي تنشط بشكل مستقل عن أجهزة الدولة، ظاهريّاً فقط، بينما هي تشكل ذراعًا غير رسميّ للدولة. إلى جانب سياسة هدم البيوت من جانب الإدارة المدنيّة، الاعتقالات المتكرّرة، الاستيلاء على أراضٍ ومنع الجيش للسكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعيّة، تقوم ميليشيات المستوطنين المسلّحة باقتحام المنازل وسرقة أو تدمير المُمتلكات، كما تعتدي على السكان وتنشر الرّعب. تستخدم هذه الميليشيات السّلاح والآليات، مثل التراكتورات الصغيرة التي توفّرها لهُم الدّولة. وخلال هذه الهجمات، يرتدي بعض المستوطنين الزيّ العسكريّ. في بعض الأحيان ترافق ميليشيات المستوطنين هذه وحدات عسكريّة تؤمّن لها الحماية، بل وتشارك فعليّاً في أعمال العنف ضد السكان. وبما أنّ أعمال العُنف هذه تجسد سياسة الحكومة ويصبّ في تحقيق أهدافها، فإنّ جميع سلطات الدولة تغضّ عنه الطرْف.

نافذة في منزل ناصر شريتح حطّم المستوطنون زجاجها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
نافذة في منزل ناصر شريتح حطّم المستوطنون زجاجها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

هكذا تتشكّل منظومة ع مركّبة يتشابك فيها عنف الأذرع الرّسميّة وغير الرسميّة وتعمل معاً لتشديد الضغط والتضييق على التجمّعات الفلسطينيّة. يُنشئ هذا التشابُك واقعًا مستديمًا من العُنف والمضايقات والقيود التي ترمي إلى تقليص حيّز معيشة السكان أكثر فأكثر وُصولاً إلى درجة تُجبر السكّان على مُغادرة منازلهم وأراضيهم - وذلك في إطار سياسة أوسع نطاقاً هي سياسة القمع والتهجير التي تنفذها الدولة في عُموم الضفة الغربيّة، والتي تشكل في الواقع تطهيرًا عرقيًّا.

خلال شهر كانون الثاني 2026 أفيد عن أكثر من 200 هجوم شنّها مستوطنون ضدّ فلسطينيّين في قرى تلال جنوب الخليل. فيما يلي وصف مفصّل لعدد من هذه الهجمات.

 

تفصيل خمسة من هجمات المستوطنين خلال شهر كانون الثاني 2026:

سجلت باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري الإفادات أدناه.

 

خربة الخرابة، 7.1.26

بعد أن صدّ السكان هجوم مستوطنين عليهم، جاء عشرات المستوطنين وهاجموا السكان بالهراوات. القوّة العسكريّة التي رافقت المستوطنين تطلق الغاز المُسيل للدّموع على السكان وتعتقل أحدهم وتفرض حظر تجوّل على القرية

في يوم الأربعاء المُوافق 7.1.26، نحو السّاعة 17:00، ساق ثلاثة مستوطنين ملثّمين ومسلّحين بالهراوات والمقاليع قطيعًا نحو منازل أهالي خربة الخرابة. هاجم المستوطنون الأهالي بالحجارة وحاولوا خلط مواشيهم بمواشي الأهالي، وهي حيلة معروفة يستخدمها المستوطنون لكي يدّعوا لاحقاً أنّ مواشيهم قد سُرقت، وبذلك يستولون على مواشي الفلسطينيّين. من جهتهم، حاول الأهالي منع خلط المواشي وراحوا يُطلقون نداءات استغاثة. حين سمع سكّان المنطقة نداءاتهم هبّوا لنجدتهم وحاولوا معاً صدّ الهجوم وإبعاد المستوطنين.

بعد وقت قصير جاء إلى الموقع خمسة مستوطنين آخرين - مستوطنان اثنان مسلّحان بسلاح ناريّ وثلاثة مسلّحون بالهراوات وعُبوات رذاذ الفلفل، ثمّ أطلق أحدهم قرابة عشر رصاصات نحو الأهالي.

بعد ذلك جاء نحو 30 مستوطناً آخر، ترافقهم قوّات عسكريّة. وفيما هاجم المستوطنين الأهالي بالهراوات، أطلقت القوّات نحو الأهالي قنابل صوت وأمرتهم بأن يغادروا المكان وهي تتوعّدهُم بالسّوء إن لم يُغادروا.

قبض المستوطنون والجنود معاً على شخص من سكّان القرية يُدعى علي دغامين (59 عاماً) ثمّ قيّدوه وضربوه وقاموا باعتقاله. ظلّ دغامين رهن الاعتقال لمدّة 8 أيّام ثمّ أخلي سبيله لقاء دفع كفالة بقيمة 2,000 شيكل وبشروط مقيّدة أخرى.

بعد اعتقال دغامين، فرض الجنود حظر التجوّل على القرية واقتحموا المنازل وحظائر المواشي، وكان يرافقهم حارس مستوطنة بحجّة البحث عن مواشٍ مسروقة. غادر الجنود والحارس القرية في منتصف اللّيل تقريباً، لكنّ الجنود عادوا لاحقاً، في الليلة نفسها، ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة أطلقوا في طرُقات القرية قنابل ضوئيّة وقنابل صوت.

علي دغامين (59 عاماً)، أب لتسعة، روى في إفادة أدلى بها في 16.2.26:

في يوم الأربعاء المُوافق 7.1.26، نحو السّاعة 17:00، جاء إلى المنطقة القريبة من منزلي ثلاثة مستوطنين يحملون العصيّ والمقاليع، يسوقون أمامهم قطيع مواشٍ يعدّ 40 رأسًا تقريباً، ومعهم كلبان كبيران وحماران. اقترب المستوطنون وقطيعهم إلى ساحة منزلي. طلبنا منهم أن يُغادروا ويبتعدوا عن منازلنا، لكنهم أخذوا يرشقوننا بالحجارة ويسوقون قطيعهم نحو حظيرتي لكي يخلطوا مواشيهم بمواشيّ، الأمر الذي سيمكّنهم من سرقة أغنامي لاحقاً. حاولتُ، مع أفراد عائلتي، إبعاد مواشي المستوطنين عن حظيرتنا، لكن خلال بضع دقائق جاء مستوطن يُدعى "مردخاي"، هو حارس بؤرة استيطانيّة جديدة أقيمت في المنطقة. جاء مسلّحاً ببندقيّة M16 ومسدّس، يُرافقه أربعة مستوطنين آخرين أحدهم مسلّح بسلاح ناريّ جاء على تراكتور صغير وثلاثة ملثمين كانوا يحملون عصيّاً وعُبوات رذاذ الفلفل.

علي دغامين قرب حظيرة أغنامه. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
علي دغامين قرب حظيرة أغنامه. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

أطلق المدعو "مردخاي" نحو 10 رصاصات في الهواء ونحونا أيضاً فرُحنا نصرخ ونُطلق نداءات استغاثة لكي يأتي الجيران لنجدتنا.

في تلك الأثناء كان قد وصل نحو 30 مستوطناً ملثمًا يحملون العصيّ والهراوات وعُبوات رذاذ الفلفل. هاجمنا هؤلاء ورشّوا علينا رذاذ الفلفل كي يُبعدونا عن حظيرتنا، لكنّنا نجحنا في صدّهم بمساعدة أقاربنا الذين تجمّعوا عندنا.

في الوقت نفسه جاءت قوّة عسكريّة قوامها عدد كبير من الجنود. ورغم أنّنا اتّصلنا بالشرطة الإسرائيليّة منذ بداية الحدث، لم تحضر قوّة شرطة إلى المكان. هاجمنا الجنود وضربونا ببنادقهم. هاجمني بعض الجنود وضربوني ببنادقهم في كلّ أنحاء جسمي، ثمّ انضمّ إليه المستوطن المدعو "مردخاي" وراح يضربني ويركلني. تعرضت لعدد من الرّكلات المؤلمة في خاصرتي.

بعد نحو 10 دقائق كبّل الجنود يديّ إلى الأمام بواسطة أصفاد بلاستيكيّة، عصبوا عينيّ واقتادوني وهُم يجرون جرياً سريعاً وهُم يحنون رأسي إلى الأمام بطريقة موجعة جدّاً حتى وصلوا إلى سيّارة إسعاف عسكريّة كانت متوقّفة على بُعد نحو 100 متر عن منزلي. في الطريق، واصل الجنود والمدعو "مردخاي" ضربي وركلي، فيما كان الدّم يسيل من رأسي. فحص طبيب عسكريّ جروحي لكنّه لم يقدّم لي أيّ علاج أو إسعاف أوّليّ. أجبروني على الانبطاح على بطني، مكبّل اليدين، بجوار سيّارة الإسعاف لمدّة ساعة تقريباً وأنا متجمّد من شدّة البرد وأتلوّى من شدّة الألم، حتى جاء إلى المكان ضبّاط وعناصر من الشرطة الإسرائيليّة. وقد رأيتهم يتعانقون مع المستوطن "مردخاي".

أدخلني الجنود إلى مركبة "جيب" عسكريّة سارت بي إلى معسكر للجيش. هناك وضعوني مكبّل اليدين ومعصوب العينين داخل حاوية قديمة بلا نوافذ. كان الطقس ماطرًا وباردًا جدّاً حتى أنّ عظامي تجمّدت من البرد. أبقوني هناك حتى السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل، وطوال ذلك الوقت كنت أطلب من الجنود أن ينقلوني إلى مكان أقلّ بُرودة. كما طلبت ماءً لأشرب ورجوتهم أن يسمحوا لي بدخول المرحاض، لكنّهم رفضوا، بل شتموني وصرخوا عليّ أن اصْمتْ. نحو السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل أخذني الجنود إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع". بعد 15 دقيقة فكّوا القيود عن يديّ وأدخلوني إلى غرفة تحقيق حيث حقّق معي محقّق يتحدّث العبريّة بحُضور شرطيّ كان يُترجم إلى العربيّة.

اتّهمني المحقّق بمهاجمة مستوطنين فأنكرت التهمة وطلبت أن يُريني أدلّة تثبت ذلك. شرحت له أنّ المستوطنين هُم الذين هاجموا منزلي وعائلتي وحاولوا سرقة أغنامي. أراني المحقّق شريط فيديو أظهر فيه وأنا أدفع مواشي المستوطنين لكي أبعدها عن أغنامي. شرحت له أنّني فعلت ذلك كي أدافع عن أغنامي وأنّني لم أهاجم أحداً. بعد نصف ساعة على انتهاء التحقيق صوّروني وأخذوا بصمات أصابعي ثمّ قيّدوا يديّ وعصبوا عينيّ مجدّداً وأخذوني في مركبة "جيب" عسكريّة وأعادوني إلى الحاوية التي كنت محتجزاً فيها من قبل.

في صباح اليوم التالي جلبوا لي علبة حليب صغيرة وشريحتَي خبز. طلبت من الجنديّ أن يفكّ القيد عن يديّ كي أتمكن من تناول الطعام فقال لي "كلْ مثل الكلب". تناولت الطعام بصعوبة ويداي مقيّدتان وجسمي كلّه يرتجف من البرد. كان الدّم قد تجمّد في عُروقي من شدّة البرد.

في اليوم الثالث، بعد احتجازي لمدّة يومين في الحاوية ويداي مقيّدتان، أخذوني في سيارة "جيب" عسكريّة إلى سجن "عتصيون" بصورة مُذلّة حيث ركلوني وسألوني "أنت تلقي حجارة على مردخاي؟ تريد أن تقتل مردخاي؟". في "عتصيون" اقتادوني إلى غرفة التفتيش الجسديّ وأمروني أن أخلع ملابسي كلّها ثمّ مرّوا على جسمي بجهاز مسح كاشف للمعادن بطريقة مُذلّة وهُم يشتمونني. بعد ذلك ناولوني ملابس خاصّة بالسجناء ومجدّداً قيّدوا يديّ وعصبوا عينيّ ثمّ اقتادوني إلى بداية درج معدنيّ ولم أكن أعرف ذلك لأنّني كنت معصوب العينين. عندما وقفنا على أوّل الدّرج دفعوني فوقعت متدحرجاً حتى نهاية الدّرج. أصبت وتألّمت كثيراً، ولأنّني لم أستطع النهوض رفعني السجّانون وهُم يشتمونني ويحنون رأسي إلى الأمام بطريقة مؤلمة ثمّ اقتادوني على هذا النحو وُصولاً إلى زنزانة رقم 8 في القسم 14، وكان فيها 12 معتقلاً تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً. أدخلوني إلى الزنزانة بعد أن فكّوا القيود عن يديّ وأزالوا العصبة عن عينيّ.

بعد عدّة أيّام جرت خلالها عدّة جلسات مُحاكمة، عُقدت جلسة قال لي المحامي خلالها إنّهم يريدون حبسي لمدّة شهر إذا لم أودع كفالة بقيمة 2,000 شيكل فوافقت على دفع المبلغ. بعد ذلك عُقدت جلسة أخرى عبر تطبيق "زوم". تمّ إخلاء سبيلي بعد اعتقال دام 8 أيّام وبعد إيداع مبلغ الكفالة. نحو السّاعة 20:00 نقلوني مع 10 معتقلين آخرين إلى غرفة صغيرة خانقة واحتجزونا فيها لمدّة 4 ساعات ونحن مقيّدو الأيدي. أعطونا ملابس رماديّة ولم يُعيدوا إلينا ملابسنا التي كنّا نرتديها حين اعتقلونا. كذلك لم يُعيدوا لي بطاقة الهويّة و200 شيكل كانت في جيبي. بعد ذلك أخذونا في حافلة إلى حاجز "الجيب" في رام الله حيث كان صهري ينتظرني ليقلّني إلى المنزل. بعد أن وصلت إلى المنزل، ولأنني كنت أشعر بالمرض وأتألّم في كلّ جسمي، أخذني أبنائي إلى عيادة في قرية دورا، حيث تبيّن وجود كدمات في كلّ جسمي. تلقّيت العلاج وأعطوني دواء مسكّناً للألم.

المستوطنون يضيّقون على عائلتي وعلى جميع السكان الذين بقوا في المنطقة لكي يُجبرونا على مغادرة منازلنا وأراضينا فيستولوا هُم عليها.

إسماعيل خلايلة (27 عاماً)، روى في إفادة أدلى بها يوم 16.1.26 ما حدث في تلك اللّيلة، بعد اعتقال علي دغامين:

نحو السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل اقتحم جنود منزل الحاجّ علي (علي دغامين)، وفي تلك اللّيلة كانت تبيت عندهم شقيقتاه وابنتاه المتزوّجتان، خلود (36 عاماً) وريم (28 عاماً)، المُقيمات في السّموع، وقد جئن لزيارة العائلة بعد اعتقاله.

فحص الجنود بطاقات هويّة النساء الأربع وأمروهنّ بمغادرة المنطقة بحجّة أنّ المكان منطقة عسكريّة مُغلقة وهنّ لسن من سكّان المنطقة. بعد ذلك، أخذ الجنود وعدد من المستوطنين، بينهم المدعو "مردخاي"، يقتحمون المنازل معاً ويفتّشونها.

إسماعيل خلايلة. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
إسماعيل خلايلة. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

دت إلى منزلي وجاء معي قُصي ابن الحاجّ علي، عندئذٍ اقتحم "مردخاي" المنزل مع 6 مستوطنين مسلّحين. أمسكني من ياقة قميصي، وضع فوهة بندقيّة على جبيني وقال: "أمهلك 24 ساعة لتغادر المكان وإلّا فأنا، مردخاي، سوف أفصل رأسك عن جسدك". بعد ذلك رأيته يُجري مكالمة هاتفيّة. تحدّث مع الجنود بالعبريّة، وأنا أفهم العبريّة. قال لهم إنّه قبض على اثنين ممّن شاركوا في الاعتداء على المستوطنين في ذلك المساء وطلب منهم أن يأتوا لكي يعتقلوني وقصيّ.

كلّمت "مردخاي" بهدوء. قلت له "هل تريدنا أن نغادر؟" فقال "نعم". قلت له: "أنا أقبل ذلك، ولكن لن أغادر إذا اعتقلني الجنود". قلت ذلك فقط لكي أتجنّب الاعتقال. هاتف "مردخاي" الجنود مرّة أخرى وطلب منهم ألا يأتوا. بعد ذلك سألني "متى ستُغادرون؟". قلت له إنّ هذا الأمر يتطلّب بعض الوقت فأنا أحتاج مُهلة لأرتّب أموري وأعثر على مسكن آخر. غضب "مردخاي" وقال إنّ هذه المُهلة أطول من اللّازم، ثمّ صوّب بندقيّته نحوي ونحو قُصَي وطلب من المستوطنين الآخرين أن يفتّشوا المنزل. أمرنا أنا وقُصَي أن نخلع ملابسنا كلّها، تحت تهديد السّلاح. بعد أن خلعنا ملابسنا وبقينا بالسروال الدّاخلي (البوكسر) أمرنا أن نرتدي ملابسنا مجدّداً وأن نبقى دون حراك حتى يغادر هو المكان ومعه بقيّة المستوطنين.

بعد ذلك خرجوا من المنزل وهُم يتوعّدون أن يعودوا لاعتقالنا والانتقام منّا إذا لم نُغادر. بعد أن خرجوا من منزلي شاهدتهم يقتحمون منازل أخرى. ظلّوا في الخرابة حتى السّاعة 3:00 فجراً ثمّ غادروا مع الجنود. بعد ذلك عاد الجنود إلى القرية وقاموا بإلقاء قنابل صوت وقنابل ضوئيّة ثمّ غادروا، لكنّهم عادوا مرّة أخرى وقاموا بالأفعال نفسها وكرّروا ذلك تقريباً ثلاث مرّات.

 خربة سوسيا، 15.1.26

مستوطنون يقتحمون منزلاً غيرَ مأهول، يُتلفون محتوياته ويحطّمون زجاج النوافذ

ناصر شريتح قرب منزله الذي اقتحمه المستوطنون. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
ناصر شريتح قرب منزله الذي اقتحمه المستوطنون. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

في يوم الخميس المُوافق 15.1.26,، نحو السّاعة 11:30، جاء خمسة مستوطنين في سيّارة إلى قرية خربة سوسيا واقتحموا منزلاً غير مأهول يملكه ناصر شريتح (51 عاماً)، أحد سكّان القرية.

من منزله الذي يقيم فيه اليوم مع أسرته، رأى ناصر المستوطنين المقتحمين على بُعد نحو مائة متر من المكان فصرخ عليهم يطالبهم أن يُغادروا، كما استدعى الشرطة. لكنّ المستوطنين تجاهلوه وحطّموا زجاج النوافذ ودخلوا إلى المنزل ومكثوا فيه نحو عشرين دقيقة أتلفوا خلالها أجهزة ومعدّات وممتلكات ثمّ غادروا.

حضرت الشرطة إلى المكان فقط بعد مضيّ ساعة تقريباً، وكان المستوطنون قد غادروا. استمع عناصر الشرطة إلى إفادة المشتكي ناصر شريتح ونصحوه أن يقدّم شكوى عبر شبكة "الإنترنت" ففعل. بعد ذلك طُلب منه أن يأتي إلى محطة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع" لتأكيد الشكوى.

ناصر شريتح (51 عاماً)، أب لعشرة، روى ما يلي في إفادة أدلى بها يوم 18.2.26:

في 15.1.26، نحو السّاعة 11:30 صباحاً، حين كنت جالساً مع أسرتي في ساحة منزلنا الذي نقيم فيه الآن، شاهدت خمسة مستوطنين يتقدّمون نحو منزلنا الآخر الذي كنّا نسكن فيه سابقاً. كان المستوطنون يستقلّون سيّارة "تويوتا" رماديّة اللّون، وقد مدّوا أجسادهم خارج النوافذ. عند وصولهم إلى منزلنا المذكور، المغلق حاليّاً والمهجور منذ سنة - حطّموا القفل واقتحموا المنزل.

وقفت عند باب منزلي الحاليّ وصرخت عليهم أطالبهم أن ينصرفوا، لكنّهم تجاهلوني بل وشرعوا في تحطيم زجاج نوافذ المنزل والتفتيش في محتوياته ثمّ بعثرتها على الأرض. لقد قلبوا كلّ شيء رأساً على عقب. لم أقترب منهم خشية أن يُهاجموني. اتّصلت بالشرطة وطلبت أن يحضروا ويُخرجوا المستوطنين من منزلي.

ناصر شريتح في منزله قرب النافذة المحطّمة. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
ناصر شريتح في منزله قرب النافذة المحطّمة. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

انسحب المستوطنون بعد نحو 20 دقيقة على اقتحامهم المنزل. حضرت الشرطة بعد مضيّ ساعة على اتّصالي بها. استمع أحد عناصر الشرطة إلى إفادتي وأخذ معه سكّينين استخدمهما المستوطنون في اقتحام المنزل وتركوهما وراءهم. نصحني الشرطيّ بتقديم شكوى إلكترونيّة عبر شبكة "الإنترنت" ففعلت ذلك.

بعد يومين اتّصلوا بي من محطّة الشرطة وسألوني هل أريد أن أؤكّد الشكوى واوضحوا أنّ هذا يتطلب مجيئي إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع". ذهبت إلى هناك في يوم الثلاثاء، نحو السّاعة 8:30 صباحاً، لكنّهم تركوني أنتظر في الخارج حتى السّاعة 10:00 صباحاً. حين دخلت استمع محقّق إلى إفادة ثانية منّي وقال إنّهم سوف يُعالجون الأمر.

ملابس أخرجها المستوطنون من الخزائن وبعثروها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
ملابس أخرجها المستوطنون من الخزائن وبعثروها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

لا أثق بالشرطة الإسرائيليّة فأنا أعلم أنّهم لن يواصلوا معالجة الشكوى. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُهاجم فيها المستوطنون منزلي، وأنا على قناعة بأنها لن تكون الأخيرة أيضاً.

 خربة المركز، 26.1.26

مستوطنون يهاجمون السكّان، وعناصر الشرطة الذين حضروا إلى المكان يحتجزون أحد السكّان في مُعسكر للجيش طوال ساعات

المستوطن على حماره يهاجم بالعصا أفراد عائلة مخامرة عند مدخل منزلهم. صورة من شريط فيديو قدّمه الأهالي مشكورين
المستوطن على حماره يهاجم بالعصا أفراد عائلة مخامرة عند مدخل منزلهم. صورة من شريط فيديو قدّمه الأهالي مشكورين

في يوم الإثنين المُوافق 26.1.26، نحو السّاعة 11:00، جاء مستوطنان مع قطيع مواشٍ إلى تجمّع خربة المركز الواقع في مَسافر يطّا ضمن المساحات التي أعلنها الجيش الإسرائيلي "منطقة إطلاق نار 918". كان أحدهما مسلّحًا بمسدّس ويركب حصاناً والثاني مسلّحًا بقضيب حديديّ ويركب حماراً. اقترب الاثنان من منزل عائلة مخامرة وتركا قطيعهما يرعى عند مدخل المنزل.

عندما حاولت امرأتان من أفراد العائلة إبعاد القطيع عن ساحتهما اندفع نحوهما أحد المستوطنين وهو يعتلي حماره وأوقعهما أرضاً. وحين هبّ محمد مخامرة ليساعد المرأتين - إحداهما أمّه والأخرى زوجته - ويُبعد عنهما الحمار والمستوطن، قام المستوطن بتصويره وأجرى اتّصالاً استدعى خلاله المزيد من المستوطنين لمساندته. في تلك المرحلة كان الأهالي قد استدعوا الشرطة.

حاول المستوطن أيضًا اقتحام منزل عائلة مخامرة، وعندما دفعت إحدى السيدات من سكان التجمع الحمارَ بيدها، ضرب المستوطن مخامرة بهراوته، ثم إحدى السيدات من التجمع أيضًا.

بعد عدّة دقائق جاء خمسة مستوطنين آخرين، اثنان منهم مسلّحان بسلاح ناريّ وثلاثة بهراوات وعُبوات رذاذ الفلفل. إضافة إلى هؤلاء جاءت أيضاً دوريّة شرطة ومركبة "جيب" عسكريّة.

تحدّث الجنود وعناصر الشرطة مع المستوطنين الذين عرضوا لهُم شريط فيديو يوثّق إبعاد الحمار. كما شاهدوا أيضًا شريط فيديو يوثّق الاعتداء على السكان، عرضه أمامهم جار مخامرة. بعد ذلك اعتقل عناصر الشرطة محمد مخامرة وكبّلوا يديه كما عصبوا عينيه. أخذه الجنود إلى معسكر للجيش في موقع قريب، وهناك أجلسوه في الخارج على الأرض مقيّداً ومعصوب العينين طوال عشر ساعات تقريباً. عند منتصف اللّيل أخلي سبيله دون التحقيق معه فعاد إلى منزله.

محمد مخامرة (22 عاماً)، أب لطفلين، روى ما يلي في إفادة أدلى بها يوم 22.2.26:

عندما وصلت الشرطة ابتعد المستوطن الذي كان مع القطيع بضعة أمتار، ثمّ شاهدته يُري عناصر الشرطة في هاتفه شريط فيديو يوثّق لحظة إبعادي للحمار ويدّعي بأنّني هاجمته. نحن أرينا عناصر الشرطة شريط فيديو يوثّق جزءاً من الهجوم علينا، لكنّ الشرطيّ قال إنّه مضطرّ لاعتقالي "لكي يُرضي المستوطنين، وبموجب الأوامر والقانون".

قيّد الجنود يديّ إلى الأمام وأخذوني إلى مُعسكر للجش في قرية جنبة، وهناك أجلسوني على الأرض وأنا معصوب العينين، وأبقوني على هذا الحال حتى السّاعة 22:00 ليلاً. تجمّدت من البرد لأنّ الطقس كان شديد البُرودة وكنت أرتدي ملابس خفيفة. طوال فترة اعتقالي ظلّ الجنود يشتمونني بألفاظ نابية ولم يسمحوا لي أن أذهب إلى المرحاض.

أخلوا سبيلي بعد اعتقال دام عشر ساعات تقريباً، وعندما عدت إلى المنزل وجدت زوجتي تعاني آلاماً في ظهرها جرّاء الضربة التي تلقّتها عندما أوقعها المستوطن على الأرض.

 

خربة الحلاوة، خربة الفخيت، 27.1.26

مستوطنون يهاجمون قريتين، يضربون الأهالي ويسرقون قطيع أغنام بمساعدة الجنود الذين اعتقلوا نساءً حاولن منع السرقة

وضحة أبو صبحة (73 عاماً) ترقد قيد العلاج في المستشفى. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
وضحة أبو صبحة (73 عاماً) ترقد قيد العلاج في المستشفى. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الثلاثاء المُوافق 27.1.26 نحو السّاعة 17:15، اقترب مستوطن يسوق قطيعاً من المواشي إلى منازل خربة الحلاوة، من تجمّعات مَسافر يطّا الواقعة ضمن المساحات التي أعلنها الجيش الإسرائيلي "منطقة إطلاق نار 918". حين شرع أحد سكّان التجمّع في تصويره بواسطة هاتفه، ضربه المستوطن على وجهه ثمّ اختطف منه جهاز الهاتف وحطّمه.

في أعقاب ذلك جاء عدد آخر من الأهالي ووقفوا في مواجهة المستوطن. ابتعد المستوطن وراح يتّصل بمستوطنين آخرين ليأتوا ويساندوه.

بعد وقت قصير جاء عشرات المستوطنين الملثمين والمسلّحين بالهراوات، يُرافقهم جنود، وهاجموا قرية خربة الحلاوة وقرية خربة الفخيت المجاورة لها واقتحموا المنازل وحظائر الموشي في قريتي التبّان وجنبة المجاورتين. جميع القرى المذكورة تقع ضمن المساحات التي أعلنها الجيش الإسرائيلي "منطقة إطلاق نار 918".

الهجوم الأشد ضراوة كان في خربة الفخيت حيث ضرب المستوطنون محمد أبو صبحة بالهراوات وسبّبوا له كسراً في الجمجمة وكدمات جدّية في جميع أنحاء جسمه، كما رشّوا عليه رذاذ الفلفل. كذلك هاجم المستوطنون أفراد عائلته فكسروا يد والدته وضربوا ابنته (15 عاماً) على رأسها ورشّوا رذاذ الفلفل على زوجته وبناته. فوق هذا كلّه، قام المستوطنون بأعمال تخريب في سيّارته.

لاحقاً، في ذلك المساء نفسه، حينما حاول بعض السكان منع مستوطنين من سرقة مواشٍ من إحدى الحظائر في خربة الحلاوة، هاجمهم المستوطنون والجنود الذين رافقوهم وأبعدوهم عن المكان. وهكذا تمكّن المستوطنون من سرقة نحو 100 راس غنم ساقوها باتّجاه بؤرة استيطانيّة أقيمت في الجوار. خلال هذا الهجوم تعرّض السكان للّكم والضرب بالهراوات ورشّ رذاذ الفلفل.

الجنود يغادرون المكان بعد أن أمّنوا حماية الهجوم وسرقة الأغنام. من شريط سجّلته كاميرات المراقبة، قدّمه الأهالي مشكورين

الجنود يغادرون المكان بعد أن أمّنوا حماية الهجوم وسرقة الأغنام. من شريط سجّلته كاميرات المراقبة، قدّمه الأهالي مشكورين

بعد انتهاء الهجوم، اعتقل الجنود وداد مخامرة، ابنة صاحب الحظيرة والتي حاولت منع المستوطنين من سرقة الأغنام، كما اعتقلوا سلفتها واحتجزوهما طوال ساعات في ظروف قاسية حيث عانت الاثنتان من برودة الطقس، الأصفاد التي كبّلت أيديهما، من آلام الجُروح والحرقة في العينين وظلّتا دون ماء ودون غطاء. في اليوم التالي، نُقلتا إلى محطة الشرطة حيث جرى التحقيق مع وداد مخامرة بتُهمة الاعتداء والتحريض ضدّ الجنود، ثمّ أخلي سبيلها بعد وقت قصير.

استمرّ الهجوم عدّة ساعات ألحق المعتدون خلالها أضراراً جسيمة بالمُمتلكات وأصابوا عدداً من الأهالي بجراح.

محمد أبو صبحة (49 عاماً)، أب لستّة، من سكّان خربة الفخيت، روى ما يلي في إفادة أدلى بها يوم 31.1.26::

محمد أبو صبحة يرقد قيد العلاج في المستشفى.  تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
محمد أبو صبحة يرقد قيد العلاج في المستشفى. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

أقيم في قرية الفخيت مع زوجتي جميلة وأولادنا الستّة ووالدتي (وضحة، 73 عاماً). أعمل مُزارعاً ومُربّي أغنام. أملك ما يقارب 150 رأس غنم ارتفعت تكلفة تربيتها كثيراً منذ أن استولى المستوطنون على المراعي وآبار المياه في المنطقة.

منذ أحداث 7 تشرين الأول 2023 ازدادت غزوات المستوطنين وهجماتهم على قرى المنطقة حتى أنّهم أصبحوا يرعون مواشيهم بين منازلنا. كذلك ازداد عدد البؤر الاستيطانيّة والمستوطنات. أقيمت خمس بؤر استيطانيّة جديدة على بُعد نحو كيلومتر واحد فقط من منزلنا.

في العام 2022 هدمت جرّافات الاحتلال منزلنا الذي كان مبنيّاً من الصّفيح، ومنذ ذلك الحين أقيم في خيمة وتقيم زوجتي وبناتي في غرفة واحدة من الصّفيح.

في يوم الثلاثاء المُوافق 27.1.26، نحو السّاعة 18:30، وردت في شبكات التواصُل الاجتماعيّ أخبار عن مستوطنين يُهاجمون خربة الحلاوة المجاورة لنا. وقفت في ساحة خيمتي ورُحت أتابع ما يجري في المنطقة. شاهدات سيّارات فلسطينيّة قادمة من منطقة التواني متّجهة إلى خربة الحلاوة لنجدة الأهالي هُناك، لكنّ المستوطنين قطعوا الطريق عليها؛ وقد شاهدتهم يعودون أدراجهُم.

في تلك اللّحظة شاهدت أيضاً سيّارتين تقتربان إلينا. للوهلة الأولى ظننتهما من السيّارات الفلسطينيّة التي قطع طريقها المستوطنون. ولكن حين اقتربت السيّارتان من منزلنا قفز منهما ما يقارب 7 مستوطنين يحملون الهراوات وعُبوات رذاذ الفلفل، وفوراً انهالوا عليّ ضرباً مُبرحاً بالهراوات على رأسي وكلّ أنحاء جسمي. سمعت زوجتي وبناتي يصرخن وأغمي عليّ وهنّ لا زلن يصرخن. بعد ذلك لم أعِ ما يجري من حولي. عندما أفقت وجدت نفسي في غرفة العناية المشدّدة في المستشفى الأهلي في الخليل، وبمجرّد أن عدت إلى وعيي صرت أتلوّى من شدّة الألم في رأسي وكلّ جسمي.

سيّارة محمد أبو صبحة بعد أن أتلفها المستوطنون. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
سيّارة محمد أبو صبحة بعد أن أتلفها المستوطنون. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم

أظهرت الفحوصات وصور الأشعّة التي أجريت لي كسراً في الجُمجُمة ورُضوضاً في كلّ أنحاء جسمي. أعاني أيضاً من شلل جزئيّ في رجلي اليُمنى، قال لي الأطبّاء أنّه مؤقت وسوف يزول مع المثابرة على العلاج.

في المستشفى، أخبرني إخوتي بأنّ والدتي أيضاً تعرّضت للضرب وتعاني من كسور في ذراعها اليُمنى وكدمات في رأسها. تلقّت والدتي العلاج في مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل. لاحقاً علمت أنّ المستوطنين رشّوا بناتي وزوجتي برذاذ الفلفل وأنّ أحدهم ضرب ابنتي نغم (15 عاماً) على رأسها.

اليوم اتّصلوا بنا من الشرطة الإسرائيليّة ونصحونا أن نقدّم شكوى في محطّة الشرطة الإسرائيليّة، لكنّني لست مقتنعاً بأنّ هناك فائدة من تقديم شكاوى كهذه. لم يكن هذا الهجوم هو الأوّل من نوعه، وهذه الهجمات تحدث أصلاً بحضور جنود وبمساندة منهُم. حدّثني أخي أن المستوطنين حطّموا أيضاً زجاج سيّارتي كلّه.

ما زلت أتلقّى العلاج في المستشفى الأهلي، وأعاني من آلام في الرأس، دُوار، صعوبة في النطق والمشي وآلام شديدة في فخذي الأيمن.

وداد مخامرة (52 عاماً)، أمّ لأربعة، من سكّان خربة المركز، روت في إفادة أدلت بها يوم 4.2.26:

في 27.1.26، نحو السّاعة 21:00، بينما كنت جالسة في منزلي، هاتفني والدي، وهو مسنّ في الـ75 من عمره يُقيم في قرية خربة الحلاوة المجاورة، وأخبرني أنّ مستوطنين قد هاجموهُم ويحاولون سرقة أغنامهم. طلب منّي أن أطلب "فزعة" من جيراننا. خرجت فوراً إلى خربة الحلاوة مع امرأة أخرى، ولكن قبل أن نصل إلى هناك رأينا عشرات الجنود والمستوطنين يحاصرون المنطقة.

سرنا في طريق آخر وتمكّنّا من الوصول. رأيت أخي (م، 36 عاماً) وزوجته (ف، 30 عاماً) ووالدي يتشبّثون بمقبض باب الحظيرة كي يمنعوا المستوطنين من الدخول. انضممت إليهم وساعدتهم في سدّ الطريق أمام المستوطنين لمنع وصولهم إلى الحظيرة. هاجمنا الجنود والمستوطنون، ضربونا بالهراوات والبنادق وأجبرونا على مُغادرة المكان.

مستوطنون يسرقون قطيع الأغنام من خربة الحلاوة. من شريط سجّلته كاميرات المراقبة، قدّمه الأهالي مشكورين
مستوطنون يسرقون قطيع الأغنام من خربة الحلاوة. من شريط سجّلته كاميرات المراقبة، قدّمه الأهالي مشكورين

تحت حماية الجنود، أخذ المستوطنون يُخرجون الأغنام من الحظيرة، نحو 100 رأس، ويسوقونها في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة. عندما تبعتهم في محاولة لاسترداد المواشي هاجمني الجنود، وأمسكت إحدى المجنّدات بيديّ ولوتهُما إلى الخلف. في تلك اللحظة اقترب منّي مستوطن يحمل عُبوة رذاذ الفلفل فحنت الجنديّة رأسها إلى الأمام كي لا يُصيبها رذاذ الفلفل فقام المستوطن برشّ الرذاذ على وجهي ووجّه لي لكمة قويّة على فمي. سال الدم من فمي وأخذت أصرخ وأتلوى من شدّة الألم. أحسست بحرقة شديدة في عينيّ وصعوبة في الرؤية. تمكنت من تخليص نفسي من المجنّدة وركضت مرّة أخرى خلف القطيع، لكنّها أمسكت بي مرّة أخرى وحينئذٍ انهال عليّ مستوطنان ضرباً بالهراوات على رأسي وذراعيّ وكلّ أنحاء جسمي. ظلّت المجنّدة مُمسكة بي، وجنود آخرون يُساعدونها في ذلك، حتى وصل المستوطنون إلى البؤرة الاستيطانيّة ومعهم قطيع المواشي. بعد أن وصلوا تركني الجنود وعُدت إلى المنزل وأنا أصرخ من شدّة الألم. طلبت من كنّتي أن تسكب ماءً على وجهي لتخفيف الألم والحرقة في عينيّ.

ابتلّت ملابسي من المياه التي سُكبت على رأسي ووجهي، لكن قبل أن أستبدلها اقتحم الخيمة نحو سبعة جنود وقالوا إنّهم قد جاءوا لاعتقالي. كبّلت مجنّدة يديّ إلى الأمام واقتادني الجنود سيراً على الأقدام إلى مكان قريب من القرية. أجلسوني هناك على الأرض قرب مركبات "جيب" عسكريّة. كنت أعاني آلاماً في كلّ أنحاء جسمي وحرقة في عينيّ ووجهي. كان الطقس بارداً في ذلك اليوم وكنت أرتجف من البرد لأنّ ملابسي كانت مبتلّة. احتجزوني في ذلك المكان لنحو ساعتين وفي تلك الأثناء جلب جنود سلفتي (ف)، وكانت مكبّلة اليدين ومعصوبة العينين. كانت تصرخ على الجنود تطالبهم أن يُخلوا سبيلها وتقول لهم إنّها أمّ لطفلة تبلغ من العمر 7 أشهر لا تستطيع أن تبقى وقتاً طويلاً دون رضاعة؛ لكنّ الجنود كانوا يشتمونها ويأمرونها أن تصمت.

أدخلني الجنود مع سلفتي (ف) إلى "جيب" عسكريّ سار بنا وُصولاً إلى بوّابة مُعسكر للجيش، وأنزلونا على بُعد 200 متر من البوّابة ثمّ اقتادونا مشياً وهُم يشتموننا. كنت لا أزال أرتجف من البرد وسلفتي تتأوّه من الآلام في ظهرها، والعصبة لا تزال على عينيها. عانيت أيضاً من صعوبة في الرؤية وآلام وحرقة في وجهي. أجلسنا الجنود على الأرض قرب بوّابة المعسكر وواصلوا شتمنا واتّهامنا بالإرهاب زاعمين أنّنا "مخرّبون، حماس".

كان الطقس بارداً كالثلج وملابسي لا تزال مبتلّة. طلبت منهم بطّانيّة أو أيّ شيء أتغطّى به ليُدفئني لكنّهم كانوا يردّون بالشتائم. رفضوا أن يعطونا حتى ماءً لنشرب.

طلبنا منهم مراراً وتكراراً أن يسمحوا لنا بالذهاب إلى المرحاض لكنّهم كانوا يتهكّمون علينا: اقتادونا ثلاث مرّات في اتّجاه المرحاض، وعندما كنا نصل كانوا يمنعوننا من الدخول قائلين "لا! لا! لا!" ثمّ يعيدوننا إلى حيث كنّا نجلس. كان ذلك مُهيناً جدّاً. بقينا على هذا الحال طوال اللّيل وحتى ظهيرة اليوم التالي. كاد الدّم يتجمّد في عُروقنا من شدّة البرد وقد ألمّت بي تشنّجات في أطرافي وكلّ جسمي.

في اليوم التالي، عند السّاعة 12:00 ظهراً، أخذونا في سيارة "جيب" عسكريّة إلى محطة الشرطة في عراد، لكنهم رفضوا استقبالنا هناك، ولذلك أخذونا إلى محطة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع". أنزلونا في السّاحة ثمّ أبدلوا الأصفاد البلاستيكيّة بأخرى معدنيّة، وفي هذه المرّة قيّدوا أرجلنا أيضاً، ثمّ أجلسونا على مقاعد حديديّة في الممرّ. بعد مضيّ ساعة أدخلوني إلى غرفة تحقيق يجلس فيها محقق يتحدث العبريّة وشرطيّ مُترجم إلى العربيّة. ادّعى المحقق أنّني اعتديت على الجنود وحرّضت ضدّهم فأنكرت التهمتين وقلت له إنّ الجنود هُم الّذين ساعدوا المستوطنين في سرقة أغنامنا وأنّهم هاجمونا سويّة مع المستوطنين.

بعد التحقيق معي الذي استمرّ 20 دقيقة، أخذني شرطيّ آخر إلى غرفة ثانية وهناك فكّ القيود وصوّرني وطبع بصمات أصابعي، ثمّ اقتادني إلى بوّابة محطّة الشرطة وأخلى سبيلي.

أحدث أقدم