ألترا فلسطين- خرج نازحون في خانيونس إلى الشوارع حاملين طناجر فارغة احتجاجًا على تقليص المساعدات، الطنجرة الفارغة في غزة ليست رمزًا.. هي الواقع. ولا تكمن المشكلة في غياب الطعام من الأسواق فقط، بل في القدرة على شرائه.
لا تشبه الأزمة الغذائية في غزة الصورة التقليدية للمجاعة. في كثير من الأحيان، لا يكون الطعام غائبًا عن الأسواق، لكن ثمنه يبقى بعيدًا عن قدرة آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها
فقد سهيل الباز مصدر رزقه خلال الحرب، وأصبحت الوجبة اليومية عبئًا ثقيلًا على أسرة مكونة من عشرة أفراد، "لو بدي أعمل إلنا أكلة فلافل مشبعة، بدي خمسين شيكل. متخيل؟ فلافل مش لحمة".
وأضاف سهيل، النازح من خانيونس: "اليوم جابولنا عدس. مش اعتراض على النعمة، بس إحنا ما بنقدر نعتمد إلا على التكية". وتابع الباز: "إحنا يوميًا بنتابع الأخبار وبنشوف وضع المساعدات، الخوف من المجاعة موجود، وفي أيام كثيرة بتمرق علينا ما بنلحق دور التكية".
وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) غزة بأنها "أكثر الأماكن جوعًا على وجه الأرض"، فيما ما زال يقف آلاف الفلسطينيين كل يوم أمام التكايا حاملين طناجرهم بانتظار وجبة قد تكون الوحيدة خلال اليوم.
في طابور التكية، لا يسأل الناس عن نوع الطعام، بل إن كانت الوجبة ستكفي. تمتد الطوابير أمام المطابخ المجتمعية في مخيمات النزوح، حيث أصبحت الوجبة الساخنة بالنسبة إلى آلاف الأسر، الفاصل اليومي بين الجوع والقدرة على مواصلة الحياة.
هذه المطابخ ساعدت سكان غزة على تجاوز أسوأ مراحل الحرب، لكنها تواجه اليوم أزمة تهدد استمرارها. فمع تقليص التمويل، واستنزاف المخزون، وتزايد أعداد المحتاجين، يعود الخوف من المجاعة إلى الواجهة، ليس بوصفه تحذيرًا دوليًا فحسب، بل تجربة يعرفها السكان جيدًا.
في آب/ أغسطس 2025، أعلن التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي تسجيل المجاعة رسميًا في محافظة غزة، حينها كان أكثر من نصف مليون شخص يعيشون ظروفًا كارثية، فيما كان نحو مليون آخر يرزحون في مستوى الطوارئ الغذائية.
كما أشارت توقعات سابقة للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى أنه حتى حزيران/ يونيو 2026، من المتوقع أن يعاني ما لا يقل عن 132 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، أي ضعف تقديرات (IPC) الصادرة في أيار/ مايو 2025. ويشمل ذلك أكثر من 41 ألف حالة خطيرة لأطفال معرضين لخطر الموت.
ورغم أن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي أدى إلى تحسن نسبي، إلا أن بيانات أممية ما زالت تصف الأزمة الإنسانية في غزة بالحادة.
التكية تحت الضغط
في 14 أيار/ مايو 2026، أعلنت منظمة "مطبخ العالم المركزي" (WCK)، اعتزامها إعادة عملياتها في غزة إلى مستويات ما قبل وقف إطلاق النار وسط تحديات التمويل. مشيرةً إلى الاستمرار في تقديم مئات الآلاف من الوجبات الساخنة يوميًا للعائلات المحتاجة، ومواصلة إحدى أكبر عمليات الإغاثة الغذائية في العالم، وإن كان ذلك على نطاقٍ أصغر.
أمام التكية يوميات البحث عن وجبة
قالت عبير بشار، النازحة من شرق مدينة غزة: "التكية بتيجي على المنطقة بين الحادية عشرة والثانية عشرة، وعشان أضمن لقمة اليوم لازم أصف قبلها بساعة". وأضافت: "هيك صارت الدنيا أدوار. دور مي، ودور تكية، ودور علاج، ودور مساعدات".
وأكملت: "صار يحكمنا الخوف. الخوف من رجعة الحرب، والخوف من التشرد، والخوف من المجاعة كمان مرة. المجاعة الأولى والثانية كانتا صعبتين كثير، كنا على حافة الموت".
وفي مخيم غرب دير البلح، تحمل سهاد سكر مسؤولية إعالة أطفالها وأطفال سلفها الذين فقدوا والديهم خلال الحرب. وقالت: "الأكل ما كفانا. عندي صغاري وصغار سلفي بعد ما استشهد أمهم وأبوهم، وكلهم بدهم أكل وشرب ورعاية". حيث لم تنته الحرب بالنسبة إليها: "الحرب ما وقفت طول ما أنا مش قادرة أطبخ واطعمي ولادي. من ثلاث سنوات أكبر خوف إلنا قلة اللقمة".
أما فرج الله مسعد، فيعيش معادلة أقسى. وقال: "أحيانًا بضطر أتنازل عن حصتي من الأكل أو أقلل كميتي منشان ولاد ابني". وأضاف: "الحمد لله على كل حال. موظف حكومي وقربت على التقاعد، وبناخذ مقتطع من الراتب كل سبعين يوم أو يزيد ورغم هيك لا الأكل ولا الفلوس بيكفوا".
وتابع: "الواحد بيحزن على الصغار. بدهم تغذية كويسة. بس لمين بدك تحكي وتشكي؟ العالم كله شايف وساكت".
الأسواق ممتلئة والموائد جائعة
لا تشبه الأزمة الغذائية في غزة الصورة التقليدية للمجاعة. في كثير من الأحيان، لا يكون الطعام غائبًا عن الأسواق، لكن ثمنه يبقى بعيدًا عن قدرة آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها. قد تمر أسرة أمام بسطة خضار أو محل بقالة، ثم تواصل طريقها نحو التكية لأنها لا تملك ثمن وجبة بسيطة.
وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، في وقت سابق من الشهر الجاري، إن المكاسب الإنسانية التي تحققت في غزة خلال الأشهر الأخيرة تمثل "الحد الأدنى" مما يحتاجه الفلسطينيون، مؤكدا أن القطاع لا يزال يعتمد على المساعدات الإنسانية وصمود السكان، في ظل نقص التمويل واستمرار القيود على وصول الإغاثة.
واليوم، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والتحذيرات الأممية حول الأوضاع الإنسانية في غزة، تصبح التكية أكثر من مطبخ مجتمعي، إنها الخط الفاصل بين يوم يمكن احتماله، وآخر يضاف إلى سلسلة أيام الجوع، وحين تغلق التكية بابها، لا يبحث الناس عن بديل لأنه ببساطة لا يوجد.
