أظهر تتبع أجراه "عربي بوست" لتفاصيل وثائق سنوية قدمتها شركات عالمية كبرى خلال الحرب على غزة، أنها أقرّت صراحةً أو بطريقة غير مباشرة، بتأثرها سلباً بحملات المقاطعة الواسعة التي واجهتها منتجاتها في الشرق الأوسط وبلدان إسلامية، حتى بات استمرار هذه المقاطعات يُدرج ضمن أبرز المخاطر التي قد تؤثر مستقبلاً في أعمالها.
وتبيّن الوثائق التي حلّلناها أن ما قالته الشركات في إفصاحاتها الرسمية كان، في حالات عدة، أوضح وأكثر تفصيلاً مما قاله مسؤولوها علناً، فبينما اتسم خطابها الإعلامي بالحذر والاختصار عند تناول أدائها في الشرق الأوسط بالتزامن مع تصاعد المقاطعة، كشفت تقاريرها السنوية انتقال المقاطعة من ضغط شعبي إلى بند حاضر في لغة المخاطر المالية والقانونية التي وجهتها الشركات إلى المستثمرين.
العلامات السبع
شمل التتبع 7 علامات تجارية كبرى معظمها أمريكية، وتعد من أكثر العلامات حضوراً في العالم العربي، وكانت هدفاً رئيسياً لحملات مقاطعة تصاعدت منذ بدء الحرب على غزة يوم 7 أكتوبر 2023، على خلفية مواقف أو علاقات أو اتهامات بدعم إسرائيل؛ من تبرعات، إلى دعم قدمه بعض أصحاب الامتياز المحليين للجيش الإسرائيلي، وصولاً إلى شراكات مع كيانات إسرائيلية.
والعلامات التجارية هي: ماكدونالدز، وكنتاكي، وبيتزا هت، وبرغر كينغ، وكوكاكولا، وبيبسي، وستاربكس، ويجمع بينها أنها مدرجة في البورصة الأمريكية، ومن ثم ملزمة بتقديم إفصاحات مالية علنية، وأنها تعمل في أسواق الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، حيث اتسع نطاق المقاطعة خلال الحرب.
كيف أُجري التتبّع؟
اعتمد "عربي بوست" في هذا الاستقصاء على مراجعة الإفصاحات المالية السنوية التي تودعها الشركات المدرجة في البورصات الأمريكية لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، عبر نظام "إدغار" EDGAR.
هذا النظام هو قاعدة البيانات الإلكترونية الرسمية التي تتيح الوصول إلى ملفات الشركات وتقاريرها الدورية، وتتبعنا تقارير "نموذج 10-K" السنوية للعلامات التجارية السبع خلال السنوات المالية من 2022 إلى 2025، باعتبارها الوثيقة الأهم التي تقدم فيها الشركة للمستثمرين صورة تفصيلية عن أعمالها، ونتائجها التشغيلية والمالية، والمخاطر التي قد تؤثر في أدائها.
انتقلت المقاطعة من ضغطٍ شعبيّ إلى بندٍ حاضرٍ في لغة المخاطر المالية التي توجّهها الشركات إلى مستثمريها.
وركز التحليل على 3 جوانب رئيسية داخل تلك التقارير، وهي أقسام الإفصاح عن المخاطر، ومناقشة الإدارة للنتائج المالية، والإيرادات بحسب المناطق الجغرافية، ومن خلالها تتبعنا متى بدأت الشركات تلمح إلى الحرب في غزة، وتتحدث عن المقاطعة، وردود فعل المستهلكين، وكيف تغيّرت اللغة الرسمية للشركات قبل الحرب وبعدها.
ولا تثبت الإفصاحات المالية للشركات أن المقاطعة كانت - وحدها - سبباً في تراجع المبيعات أو الإيرادات؛ لكنها تكشف أن الشركات نفسها لمست آثار الحرب والمقاطعة وتراجع رغبات المستهلكين، حتى ضمنتها في تقاريرها السنوية المهمة للمستثمرين.
من الجدير بالإشارة إلى أن السنوات المالية للشركات عادة ما تنتهي بنهاية ديسمبر من كل عام، فيما تنتهي السنة المالية لشركات أخرى في سبتمبر أو بداية أكتوبر، كحال شركة "ستاربكس".
في هذا الملف، يستعرض "عربي بوست" إفصاحات كل شركة على حدة: كيف تحدّثت عن المقاطعة؟ أين ظهر الأثر في الأرقام؟ وكيف تغيّرت لغة المخاطر قبل الحرب وبعدها؟ ويمكن للقارئ متابعة الشركات بالترتيب، أو الانتقال مباشرة إلى الشركة التي تهمه من القائمة التالية.
العلامات التجارية التي واجهت حملات مقاطعة
اقرأ التحقيق كاملاً بالترتيب، أو انتقل مباشرة إلى الشركة التي تهمك.
اقرأ التحقيق كاملاً ↓ماكدونالدز
الحرب تدخل لغة المبيعات والمخاطر
واجهت فروع ماكدونالدز الأمريكية حملة مقاطعة واسعة في الأيام الأولى من الحرب على غزة، بعدما نشر صاحب امتيازها في إسرائيل صوراً تُظهر تبرعه بآلاف الوجبات يومياً للجيش الإسرائيلي، في وقت كان القطاع يتعرض للقصف.


تعمل ماكدونالدز عالمياً عبر 3 قطاعات رئيسية: أمريكا، والأسواق الدولية المُدارة مع شركاء محليين، ثم قطاع الأسواق الدولية ذات الترخيص التنموي، المعروف اختصاراً بـ (IDL). ويضم هذا القطاع أكثر من 75 دولة، بينها أسواق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبلدان إسلامية شهدت حملات مقاطعة واسعة خلال الحرب.
معظم مطاعم هذا القطاع تعمل بنموذج الامتياز أو الترخيص التنموي، أي عبر مشغّلين ومستثمرين محليين، يملكون أو يديرون حقوق تشغيل المطاعم تحت علامة ماكدونالدز، مقابل إتاوات ورسوم تُسدَّد للشركة الأم، وغالباً ما تُحتسب نسبةً من المبيعات. لذا ينعكس تراجع الطلب أولاً على المشغّل المحلي، ثم يظهر أثره على ماكدونالدز عبر تراجع الرسوم والإتاوات المرتبطة بالمبيعات.
وحللنا تفاصيل إفصاحات المخاطر التي قدمتها ماكدونالدز في تقاريرها السنوية، وأظهر التحليل أن الشرق الأوسط لم يكن حاضراً في تقرير 2022 مصدراً محدداً للخطر على أعمال الشركة.
لكن ذلك تغيّر في تقرير 2023، الذي أشارت فيه ماكدونالدز إلى أن مبيعاتها وإيراداتها تأثرت سلباً في الربع الأخير من 2023، خصوصاً في القطاع الذي يشمل أسواق الشرق الأوسط، وتوقعت استمرار هذا الأثر ما دامَت الحرب مستمرة.
في الإفصاح نفسه، كشفت الشركة عن إجراء لافت تزامن مع تصاعد دعوات المقاطعة في العالم العربي؛ إذ قالت إنها قدمت لبعض أصحاب الامتياز (أصحاب متاجر ماكدونالدز) المتأثرين بالحرب في الشرق الأوسط دعماً شمل تخفيف رسوم الإتاوات وتأجيل تحصيل مبالغ نقدية مستحقة.
كان عام 2024 الاختبار الأهم، لأنه أول عام كامل للحرب والمقاطعة، وفي تقرير ذلك العام، لم تعد الشركة تتحدث عن أثر بدأ في الربع الأخير من 2023، بل قالت إن مبيعاتها وإيراداتها استمرت في التأثر سلباً بالحرب في الشرق الأوسط، وأضافت أن هذا الأثر قد يستمر إلى أن تنتهي الحرب وتتعافى الظروف الاقتصادية الكلية.
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2022
لا ذكر للشرق الأوسط ولا لأثر المقاطعة بين عوامل الخطر
- 2023
أول إقرار: تأثّر سلبي بـ«الحرب في الشرق الأوسط» بدأ في الربع الأخير، ودعم لأصحاب الامتياز المتأثرين
- 2024
ترسيخ الأثر: تراجع متواصل في المبيعات تزامن مع ذروة دعوات المقاطعة
وتزامن تأثير الحرب على ماكدونالدز في 2024 مع قرار اتخذته الشركة في العام نفسه، وهو الاستحواذ على 228 مطعماً في إسرائيل كانت تديرها شركة الامتياز المحلية «ألونيال».
ولا تثبت الصفقة بحد ذاتها أن المقاطعة كانت السبب الرئيسي والوحيد لقرار الشركة بخصوص علامتها التجارية في إسرائيل، لكنها غيّرت طبيعة علاقة الشركة بالسوق الإسرائيلية، من مطاعم تُدار عبر صاحب امتياز محلي إلى حضور أكثر مباشرة للشركة الأم.
مطعماً في إسرائيل استحوذت عليه ماكدونالدز مباشرةً عام 2024، بعد سحبها من شركة الامتياز المحلية «ألونيال».
ولم يكن الإفصاح عن المخاطر وحده ما يعكس الضغط على الشركة بالتزامن مع الحرب والمقاطعة، فالأرقام التي قدمتها ماكدونالدز تُظهر تحولاً واضحاً في أداء القطاع الذي تندرج تحته متاجر الشرق الأوسط.
في 2022، كان هذا القطاع من أقوى محركات نمو ماكدونالدز، إذ سجل نمواً في «المبيعات المماثلة» بلغ 16%. والمبيعات المماثلة مؤشر يقيس مبيعات الفروع القائمة فقط للشركة، بعيداً عن أثر افتتاح فروع جديدة، ولذلك يساعد في قراءة حركة الزبائن داخل الفروع القائمة، لا أثر التوسع.
2022
+16%
ذروة النمو
2024
−0.3%
أول تراجع
المبيعات المماثلة لقطاع الشرق الأوسط — أول انكماش يتزامن مع ذروة دعوات المقاطعة
وفي 2023، ورغم أن الحرب بدأت في الربع الأخير من العام، واصل القطاع نموه بنسبة 9.4%. لكن في 2024، أول عام كامل للحرب والمقاطعة، انخفض مؤشر النمو، مسجلاً تراجعاً بنسبة 0.3%.
واللافت أن ماكدونالدز نفسها عزت تراجع المبيعات المماثلة في هذا القطاع إلى عاملين، وهما استمرار أثر الحرب في الشرق الأوسط، وتراجع المبيعات في الصين.
النمو السنوي للفروع القائمة لدى ماكدونالدز — من ذروة 2022 إلى أول تراجع في 2024 (أول عام كامل للحرب)، ثم تعافٍ جزئي في 2025.
المصدر: التقارير السنوية لماكدونالدز (Form 10-K) — السنوات المالية 2022–2025، هيئة SEC
كذلك تظهر ملامح التباطؤ أيضاً في مؤشر أوسع هو "المبيعات الشاملة"، أي إجمالي مبيعات المطاعم المملوكة لماكدونالدز وتلك التي يديرها أصحاب الامتياز. ففي القطاع الذي يشمل متاجر الشرق الأوسط، هبط نمو هذا المؤشر من 9% في 2023 إلى 0% بالقيمة الاسمية في 2024، وتزامن ذلك مع ذروة دعوات المقاطعة للشركة.
كنتاكي وبيتزا هت
المقاطعة تظهر ضمن المخاطر
لا تظهر "كنتاكي" شركةً مدرجة مستقلة لها تقرير سنوي منفصل لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية، بل تَرِد بوصفها علامة تجارية وقسماً تشغيلياً ضمن مجموعة Yum! Brands، التي تضم أيضاً "بيتزا هت" و"تاكو بل" و"هابيت برغر آند غريل".
وتُعد "كنتاكي" العلامة الأكبر داخل المجموعة، إذ تضم شبكتها عشرات الآلاف من المطاعم حول العالم، معظمها خارج أمريكا، ويعمل أغلبها بنظام الامتياز التجاري، وهذا النموذج يجعل العلامة أكثر انكشافاً على تغيّر سلوك المستهلكين في الأسواق الدولية؛ إذ ينعكس تراجع الإقبال أولاً على صاحب الامتياز المحلي، ثم يصل أثره إلى الشركة الأم عبر رسوم الامتياز والترخيص والإتاوات المرتبطة بالمبيعات.
تقدّم "يم! براندز" تقريرها السنوي بصورة موحدة، لكنها تفصل الأداء بحسب كل علامة تجارية، ما يتيح قراءة أداء "كنتاكي" و"بيتزا هت" بشكل مستقل داخل إفصاحات الشركة الأم.
في تقرير 2024، برزت "يم! براندز" واحدةً من أوضح الحالات في هذا الاستقصاء. فالشركة لم تكتفِ بالإشارة العامة إلى مخاطر جيوسياسية أو ضغوط على المبيعات، بل خصصت قسماً مستقلاً بعنوان «الصراع في الشرق الأوسط»، قالت فيه إن بعض أسواقها بدأت تتأثر منذ الربع الرابع من 2023، وهي الفترة التي بدأت فيها الحرب على غزة وتصاعدت معها دعوات المقاطعة.
حددت الشركة العلامتين الأكثر تأثراً: «كنتاكي» و«بيتزا هت». كما سمّت الأسواق التي كان الأثر فيها أوضح، وهي الشرق الأوسط، وماليزيا، وإندونيسيا؛ وهي أسواق شهدت حملات مقاطعة واسعة خلال الحرب.
وقدّرت "يم! براندز" أثر هذه الأسواق على نمو مبيعاتها المماثلة عالمياً بنحو نقطة مئوية واحدة خلال 2024، مع إقرارها بأن الأثر امتد إلى أسواق ومناطق تجارية أخرى يصعب تحديد حجمه بدقة.
قد تبدو النقطة المئوية رقماً محدوداً، لكنها تصبح مؤثرة عند قياسها على مبيعات شاملة بلغت 65.5 مليار دولار؛ إذ تعادل حسابياً نحو 655 مليون دولار. ولا يعني ذلك أنها خسارة مباشرة مثبتة، بل يوضح حجم الأثر الذي قاسَته الشركة رسمياً، مع إقرارها بأن التأثر الفعلي قد يكون أوسع.
وتطورت لغة المخاطر لدى الشركة خلال التقارير التي قدمتها في فترة الحرب على غزة، ففي تقرير 2023، استخدمت "يم! براندز" عبارة صريحة عن «مقاطعة المستهلكين للعلامات التجارية الغربية» ضمن المخاطر المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية وردود فعل المستهلكين.
«نتيجةً لعملياتنا العالمية، فإننا نتعرَّض بدرجة أكبر للأحداث الجيوسياسية وحالات عدم الاستقرار. وقد تأثرنا سلباً، وقد نستمر في التأثر سلباً، بحالة عدم الاستقرار الجيوسياسي المستمرة الناجمة عن أحداث راهنة، مثل النزاع العسكري بين روسيا وأوكرانيا، والصراع في الشرق الأوسط. وقد تؤثر هذه الصراعات في أعمالنا وعملياتنا التشغيلية نتيجةً لعدة عوامل، من بينها الآثار الاقتصادية والاضطرابات الناجمة عنها، وارتفاع أسعار الطاقة والإمدادات، ومقاطعة المستهلكين للعلامات التجارية الغربية، وردود فعل المستهلكين تجاه ما يُنظر إليه على أنه أفعال أو تقاعس من جانبنا أو من جانب علاماتنا التجارية.»
As a result of our global operations, we also have increased exposure to geopolitical events and instability. We have been adversely affected, and may continue to be adversely affected, by ongoing geopolitical instability arising from current events such as the military conflict between Russia and Ukraine, and the conflict in the Middle East. Such conflicts may affect our business and operations as result of, among other things, the economic consequences and disruptions from such conflicts, increased energy and supply prices, consumer boycotts of Western brands, consumer reaction to perceived acts or failures to act by us or our concepts.
لكن في تقرير 2024، أصبحت اللغة أكثر تحديداً في الأثر، وأقل مباشرة في تسمية المقاطعة. فقد قالت الشركة إن مبيعات بعض أسواقها تأثرت سلباً خلال 2024 بسبب الصراع في الشرق الأوسط، لكنها استبدلت عبارة «مقاطعة المستهلكين» بتعبير أهدأ هو «تراجع توجهات المستهلكين تجاه العلامات الغربية».
«نتيجةً لعملياتنا العالمية، فإننا نتعرَّض بدرجة كبيرة للأحداث الجيوسياسية وحالات عدم الاستقرار. وقد تأثرنا سلباً، وقد نستمر في التأثر سلباً، بأحداث مثل الصراع في الشرق الأوسط، وكذلك النزاع بين روسيا وأوكرانيا... وقد أثَّرت هذه الصراعات سلباً، وقد تستمر في التأثير سلباً، على أعمالنا وعملياتنا التشغيلية... وعلى وجه الخصوص، تأثرت المبيعات في بعض أسواقنا سلباً خلال عام 2024 بسبب الصراع في الشرق الأوسط.»
As a result of our global operations, we also have significant exposure to geopolitical events and instability. We have been adversely affected, and may continue to be adversely affected, by events such as the conflict in the Middle East as well as the conflict between Russia and Ukraine (...) Such conflicts have adversely affected, and may continue to adversely affect our business and operations (...) In particular, sales in certain of our markets were adversely impacted in 2024 by the conflict in the Middle East.
أما في تقرير 2025، فتراجعت الصياغات الأكثر مباشرة، وظهرت عبارة أوسع عن «تزايد المشاعر المناهضة لأمريكا»، إلى جانب عدم الاستقرار والصراعات في الشرق الأوسط. هذا التحول لا يلغي ما ورد في تقريري 2023 و2024، لكنه يكشف انتقال لغة الشركة من تسمية المقاطعة وردود فعل المستهلكين بوضوح إلى تعبيرات أعم وأقل تحديداً.
«نتيجةً لعملياتنا العالمية، فإننا نتعرَّض بدرجة كبيرة للأحداث الجيوسياسية وحالات عدم الاستقرار. وقد تأثرنا سلباً في الماضي، وقد نتأثر سلباً في المستقبل، بأحداث مثل تزايد المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، وحالات عدم الاستقرار والصراعات في منطقة الشرق الأوسط.»
As a result of our global operations, we have significant exposure to geopolitical events and instability. We have been adversely affected in the past, and may in the future be adversely affected, by events such as increasing anti-American sentiment and instability and conflicts in the Middle East.
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2023
تسمية مباشرة: «مقاطعة المستهلكين للعلامات التجارية الغربية»
- 2024
لغة أهدأ: «تراجع توجهات المستهلكين»، مع إقرار بأثر ملموس على المبيعات
- 2025
تعميم: «مشاعر مناهضة لأمريكا» دون تسمية المقاطعة
ولم تقف المؤشرات عند لغة المخاطر. فالأرقام التي أفصحت عنها "يم! براندز" تُظهر تراجعاً واضحاً في أداء علامتي «كنتاكي» و«بيتزا هت» خلال أول عام كامل للحرب والمقاطعة.
فبعدما حققت "كنتاكي" نمواً في المبيعات المماثلة بلغ 7% في 2023، تراجع المؤشر إلى -2% في 2024، ثم عاد إلى النمو بنسبة 3% في 2025.
وفي 2024 تحديداً، لم يكن التراجع ناتجاً عن انخفاض عدد الفروع. على العكس، واصلت "كنتاكي" التوسع ورفعت عدد مطاعمها عالمياً، لكن مبيعات الفروع القائمة تراجعت. وهذا التباين بين التوسع الجغرافي وتراجع المبيعات المماثلة يشير إلى أن افتتاح مطاعم جديدة لم يكن كافياً لحجب الضغط على الأسواق القائمة، بالتزامن مع ذروة الحرب والمقاطعة.
أما "بيتزا هت"، العلامة الأخرى داخل "يم! براندز"، فبدت أكثر تضرراً في الأرقام، إذ انتقلت مبيعاتها المماثلة من نمو بنسبة 2% في 2023 إلى تراجع بنسبة -4% في 2024، ثم بقيت سالبة في 2025 عند -1%. وبذلك لم تتعافَ "بيتزا هت" بالسرعة نفسها التي ظهرت لاحقاً في "كنتاكي".
النمو السنوي للفروع القائمة — تراجع حادّ في 2024 (أول عام كامل للحرب والمقاطعة)، وتعافٍ متفاوت بعده.
المصدر: التقارير السنوية لمجموعة Yum! Brands (Form 10-K) — السنوات المالية 2022–2025، هيئة SEC
برغر كينغ
قطاع دولي جديد في توقيت الحرب
تُعد "برغر كينغ" جزءاً من مجموعة Restaurant Brands International، المعروفة اختصاراً بـ "آر بي آي" (RBI)، وهي شركة مسجلة في كندا ومدرجة في بورصتي تورونتو ونيويورك.
تملك المجموعة إلى جانب "برغر كينغ"، علامات أخرى هي: تيم هورتنز (Tim Hortons)، سلسلة القهوة الكندية، وبوباييز (Popeyes)، سلسلة الدجاج المقلي الأمريكية، و"فايرهاوس سابس" (Firehouse Subs)، سلسلة السندويتشات التي استحوذت عليها الشركة في 2021.
ولا تظهر "برغر كينغ" في وثائق هيئة الأوراق المالية الأمريكية شركةً مستقلةً ذات تقرير سنوي منفصل، بل كعلامة وقطاع تشغيلي ضمن الشركة الأم، التي تقدم تقريرها السنوي موحداً.
وتعرض الشركة أداءها عبر قطاعات تجمع بين العلامة والجغرافيا، أي قطاعات منفصلة لكل من علاماتها في الولايات المتحدة وكندا، وقطاع دولي واحد يضم عمليات جميع العلامات خارج الولايات المتحدة وكندا.
وفي الربع الرابع من 2023، أي في الفترة نفسها التي بدأت فيها الحرب على غزة وتصاعدت معها حملات المقاطعة، أنشأت "آر بي آي" قطاعاً مالياً مستقلاً باسم "آي إن تي إل" (INTL)، اختصاراً للعمليات الدولية.
ويضم هذا القطاع عمليات العلامات الأربع خارج الولايات المتحدة وكندا، بما في ذلك أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
لا تقول الشركة إن إنشاء هذا القطاع جاء بسبب الحرب أو المقاطعة، ولا تجزم الإفصاحات المالية للشركة بذلك، لكن التوقيت لافت؛ فمنذ ذلك الحين أصبح أداء العمليات الدولية، التي تشمل أسواقاً شهدت حملات مقاطعة واسعة خلال الحرب، ظاهراً في قطاع مستقل يمكن تتبعه.
لغة المخاطر.. من العمومية إلى ذكر المقاطعات
يظهر من تتبع إفصاحات "آر بي آي" بين 2022 و2025 أن الشركة انتقلت تدريجياً من صياغات عامة عن مخاطر الأسواق الدولية إلى إدخال المقاطعات والشرق الأوسط ضمن لغة المخاطر بعد بدء الحرب.
في تقرير 2022، اكتفت الشركة بالإشارة إلى مخاطر العمل خارج أمريكا وكندا، ومنها المشاعر المعادية لأمريكا أو كندا، من دون ذكر الشرق الأوسط مصدراً محدداً للخطر، ومن دون استخدام كلمة "مقاطعة".
لكن في تقرير 2023، المقدم بعد أشهر من بدء الحرب، دخلت كلمة "مقاطعات" (boycotts) إلى قائمة عوامل الخطر في الأسواق الدولية، ضمن سياق يتحدث عن المشاعر المعادية لأمريكا أو كندا والاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
في التقرير نفسه، أضافت الشركة فقرة عن النزاعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، قالت فيها إن هذه النزاعات قد تستمر في التأثير سلباً على الظروف الاقتصادية، بما في ذلك عبر انخفاض الطلب على العلامات التجارية المرتبطة بأمريكا أو كندا.
وفي تقرير 2024، أصبحت الصياغة أكثر تشدداً. فبدلاً من الحديث عن أثر محتمل فقط، قالت الشركة إن النزاعات أثرت سلباً، وقد تستمر في التأثير سلباً على أعمالها. وأضافت أن تراجع ربحية أصحاب الامتياز المتأثرين قد يؤخر تطوير وافتتاح مطاعم جديدة.
تُعد هذه جزئيةً ملفتةً في نموذج أعمال "برغر كينغ"، لأن العلامة تعتمد دولياً على أصحاب امتياز محليين؛ فإذا ضعفت ربحيتهم، لا يتوقف الأثر عند مبيعات المتاجر القائمة، بل قد يصل إلى خطط التوسع وافتتاح فروع جديدة.
أما في تقرير 2025، فاتجهت اللغة إلى صياغة أوسع. فبدلاً من التركيز على أوكرانيا والشرق الأوسط وحدهما، تحدثت الشركة عن النزاع بين أوكرانيا وروسيا، والتوترات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا. وبذلك أصبح الشرق الأوسط جزءاً من قائمة أوسع من المخاطر الجيوسياسية، بعدما كان أكثر حضوراً في إفصاحات 2023 و2024.
كما انتقلت الصياغة من معنى الأثر المستمر إلى عبارة أعم تقول إن هذه التوترات "أثرت وقد تؤثر مستقبلاً"، وهي لغة أقل تحديداً في وصف استمرار الأثر الحالي.
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2022
لا ذكر للشرق الأوسط ولا لكلمة «مقاطعة»؛ فقط مشاعر معادية لأمريكا أو كندا
- 2023
دخول كلمة «مقاطعات» إلى قائمة عوامل الخطر الدولية
- 2024
لغة أشدّ: النزاعات أثّرت سلباً وقد تستمر، وقد يؤخّر تراجع ربحية أصحاب الامتياز افتتاح المطاعم
- 2025
تعميم: الشرق الأوسط ضمن قائمة أوسع من المخاطر الجيوسياسية
تباطؤ في المبيعات والتوسع معاً
على مستوى الأرقام، يُظهر القطاع الدولي للشركة المالكة لبرغر كينغ والعلامات الأخرى تباطؤاً واضحاً في العمليات الدولية؛ فقد تراجع نمو المبيعات المماثلة من 15.4% في 2022 إلى 9% في 2023، ثم إلى 3.3% في 2024 (أول عام كامل للحرب والمقاطعة)، قبل أن يرتفع جزئياً إلى 4.9% في 2025.
تباطؤ متزامن: نمو المبيعات المماثلة ونمو عدد المطاعم الصافي يهبطان معاً بين 2022 و2024.
المبيعات المماثلة
نمو المطاعم الصافي
المصدر: التقارير السنوية لمجموعة Restaurant Brands International (Form 10-K) — 2022–2025، هيئة SEC
تُظهر هذه الأرقام أن قطاع العمليات الدولية فقد جزءاً كبيراً من قوة نموه بين 2022 و2024. ولا يكفي ذلك للقول إن المقاطعة وحدها تفسر التراجع، لأن القطاع يضم مناطق وعلامات متعددة، لكن التباطؤ وقع في القطاع الذي يشمل أسواق الشرق الأوسط وبلداناً شهدت حملات مقاطعة خلال الحرب.
واللافت أن التباطؤ لم يظهر في مبيعات الفروع القائمة فقط، بل في التوسع أيضاً. فقد تراجع نمو المطاعم الصافي — أي صافي الفروع الجديدة بعد خصم الإغلاقات — من 9.1% في 2022 إلى 6.1% في 2024، ثم إلى 4.9% في 2025.
هذا التراجع المتزامن في المبيعات المماثلة وفي افتتاح الفروع يختلف عن حالة "كنتاكي"، حيث استمر التوسع في عدد المطاعم بقوة رغم تراجع مبيعات الفروع القائمة. أما في حالة "آر بي آي"، فتظهر مؤشرات الضغط في الاتجاهين معاً: نمو أبطأ في الفروع القائمة، وتباطؤ في فتح مطاعم جديدة.
كوكا كولا
اعتراف مباشر بأن المقاطعة قلّلت الطلب
من بين الشركات الـ7 التي راجع "عربي بوست" إفصاحاتها المالية، تبدو "كوكاكولا" الأوضح في تسمية أثر المقاطعة؛ ففي قسم الإفصاح عن المخاطر في تقاريرها السنوية المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية الأمريكية، أقرت الشركة بأن حملات المقاطعة الناتجة عن النشاط السياسي قلّلت الطلب على منتجاتها.
وتختلف "كوكاكولا" عن شركات المطاعم التي تناولناها، فهي لا تعتمد أساساً على تشغيل الفروع أو منح الامتيازات، بل على بيع المركّزات لشركات تعبئة محلية. والمركّزات هي الخلطة الأساسية المكثفة للمشروب، تشتريها شركات التعبئة ثم تخلطها محلياً بالماء والسكر أو المحليات والغاز قبل التعبئة والتوزيع.
لذلك تبدو أرقام "كوكاكولا" الأم أقل حدة من الشركات الأخرى، لكن لغتها في الإفصاح جاءت أكثر صراحة، إذ كتبت الشركة في تقريرها لعام 2023 أن حملات المقاطعة الناتجة عن النشاط السياسي قلّلت الطلب على منتجاتها.
وفي تقرير 2024، أضافت الشركة إشارة صريحة إلى أن عملياتها واجهت اضطرابات بسبب نزاعات دولية، بينها النزاعات في الشرق الأوسط، وأقرت بأنها واجهت في بعض الأحيان حملات مقاطعة أدت إلى انخفاض الطلب على منتجاتها.
أما في تقرير 2025، فأبقت "كوكاكولا" على الإقرار العام بالمقاطعات والاضطرابات الناتجة عن النزاعات الدولية، لكنها لم تعد تذكر الشرق الأوسط بالاسم كما فعلت في تقرير 2024.
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2023
تسمية صريحة: «حملات مقاطعة... قلّلت الطلب على منتجاتنا»
- 2024
ذكر «الشرق الأوسط» بالاسم، مع الإقرار بالمقاطعة وانخفاض الطلب
- 2025
إبقاء الإقرار بالمقاطعة، دون ذكر الشرق الأوسط بالاسم
الأرقام: وحدة أوراسيا والشرق الأوسط
وتظهر دلالة هذا التحول أيضاً في أرقام وحدة أوراسيا والشرق الأوسط، وهي وحدة تضم أسواقاً عربية وإسلامية مهمة. ويُقاس الأداء هنا بمؤشر حجم البيع بوحدات العبوات (عدد العبوات المبيعة لا قيمتها بالدولار)، ما يجعله أقرب إلى قراءة حركة الطلب الفعلية، بعيداً عن أثر التضخم أو تقلبات العملات.
حجم البيع بوحدات العبوات (لا بالقيمة): انعطاف إلى السالب في عامَي ذروة الحرب والمقاطعة، ثم تعافٍ في 2025.
المصدر: التقارير السنوية لشركة كوكا كولا (Form 10-K) — 2022–2025، هيئة SEC
تُظهر الأرقام انعطافاً واضحاً. فبعد نمو قوي بلغ 8% في 2022، دخلت وحدة "أوراسيا والشرق الأوسط" المنطقة السالبة في 2023 (العام الذي بدأت الحرب على غزة في ربعه الأخير وتصاعدت معه المقاطعة)، ثم تعمق التراجع إلى −2% في 2024، أول عام كامل للحرب والمقاطعة، قبل أن تعود إلى النمو بنسبة 7% في 2025.
لا تكفي هذه الأرقام للقول إن المقاطعة وحدها تفسر التراجع، إذ تتداخل معها عوامل مثل تقلبات العملة والتضخم وأوضاع كل سوق، لكنها تكتسب أهميتها من أمرين متزامنين: أن الشركة أقرت بنفسها بأن حملات المقاطعة قلّلت الطلب، وأن وحدة "أوراسيا والشرق الأوسط" تراجعت في العامين اللذين شهدا ذروة الحرب والمقاطعة.
وتشير "كوكاكولا" إلى عوامل أخرى أثرت في بعض مناطق أعمالها، بينها تعليق العمليات في روسيا، غير أن هذا التفسير وحده لا يكفي لشرح ما ظهر في وحدة "أوراسيا والشرق الأوسط" تحديداً؛ فالشركة تعرض أثر روسيا ضمن أداء وحدة أوروبا داخل قطاع أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، لا ضمن وحدة أوراسيا والشرق الأوسط.
كما أن تعليق الأعمال في روسيا أُعلن في مارس/آذار 2022، أي أن أثره بدأ قبل السنة المالية 2023. في المقابل، تُظهر وحدة "أوراسيا والشرق الأوسط" مساراً مختلفاً؛ فقد نمت بنسبة 8% في 2022، ثم تراجعت في 2023 (عام اندلاع حرب غزة)، قبل أن يتعمق التراجع في 2024.
بيبسي
الشركة التي محت قطاعها بدلاً من تفسير تراجعه
العلامة المعروفة في الشرق الأوسط باسم "بيبسي" هي جزء من شركة أم أوسع هي بيبسيكو، التي تضم إلى جانب مشروب "بيبسي" محفظة واسعة من العلامات الاستهلاكية، بينها "لايز"، و"دوريتوس"، و"تشيتوس"، و"غاتوريد"، و"ماونتن ديو"، و"كويكر"، و"بابلي".



يكتسب ملف "بيبسي" حساسية لدى جمهور المقاطعة بسبب علامتين ترتبطان بإسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة: الأولى "سودا ستريم"، وهي شركة إسرائيلية استحوذت عليها بيبسيكو عام 2018.
والثانية هي "صابرا"، علامة الحمص المعروفة في السوق الأمريكية، التي كانت مملوكة مناصفة بين بيبسيكو ومجموعة "شتراوس" الإسرائيلية، قبل أن تشتري بيبسيكو حصة شتراوس المتبقية في 3 ديسمبر/كانون الأول 2024، لتصبح "صابرا" مملوكة بالكامل لها.
يجعل ذلك "بيبسي" مختلفة عن بعض الشركات الأخرى في التحقيق؛ فهي تملك أو امتلكت شراكات في علامات ذات حساسية لدى جمهور المقاطعة، وفي الوقت نفسه لديها حضور واسع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وإفريقيا، وهي أسواق تضم دولاً شهدت حملات مقاطعة واسعة خلال الحرب على غزة.
وكانت الشركة تجمع هذه الأسواق داخل قطاع تشغيلي باسم "آميسا" (AMESA)، أي إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، لكن ابتداءً من السنة المالية 2025، أعادت "بيبسيكو" هيكلة قطاعاتها ودمجت "آميسا" مع أوروبا في قطاع أوسع.
لا تجزم هذه الخطوة بحد ذاتها أن الشركة أرادت حجب أثر المقاطعة، فإعادة الهيكلة قد تكون قراراً إدارياً عادياً، لكنها عملياً غيّرت قدرة القارئ الخارجي على تتبع أداء أسواق الشرق الأوسط وجنوب آسيا؛ فالأرقام قد تبقى داخلية، لكنها لم تعد تظهر كقطاع مستقل في الإفصاح العلني.
لغة المخاطر.. من الغياب إلى ذكر المقاطعات
يُظهر تتبع لغة المخاطر في تقارير "بيبسيكو" تطوراً قريباً من شركات أخرى؛ ففي تقرير 2022، ظهرت إشارة عامة إلى احتمال أن يخفض المستهلكون شراء منتجات الشركة أو يقاطعوها علناً، كما ورد الشرق الأوسط ضمن مخاطر الأسواق النامية والناشئة.
لكن التقرير لم يربط الشرق الأوسط بعدُ بنزاع جارٍ أو بتوترات جيوسياسية محددة، وهي صياغة ستصبح أوضح في تقارير لاحقة بعد اندلاع حرب غزة.
لكن في تقرير 2023، دخلت المقاطعة إلى إفصاحات الشركة بصياغة قوية؛ إذ قالت "بيبسيكو" إن عوامل معينة قلّلت رغبة المستهلكين في شراء بعض منتجاتها، بما في ذلك نتيجة حملات المقاطعة العامة.
وفي تقرير 2024، حدث تحولان لافتان: الأول أن الشركة سمّت النزاعات المستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط صراحةً للمرة الأولى في هذا السياق، والثاني أنها أضافت عبارة عن تنامي المشاعر السلبية تجاه المنتجات غير المحلية — سلوك استهلاكي قريب من أثر المقاطعة.
أما في تقرير 2025، فاختفت الإشارة الصريحة إلى "الشرق الأوسط" من نص المخاطر، وحلّت محلها صياغة أوسع عن الأحداث والتوترات الجيوسياسية، لكنها أبقت على عبارتي «المشاعر السلبية تجاه المنتجات غير المحلية» و«حملات المقاطعة العامة».
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2023
إقرار بأن «حملات المقاطعة العامة» خفضت رغبة المستهلكين في الشراء
- 2024
تسمية «الشرق الأوسط» صراحةً، مع «مشاعر سلبية تجاه المنتجات غير المحلية»
- 2025
إسقاط «الشرق الأوسط» من نص المخاطر، وإلغاء قطاع «آميسا» من الإفصاح المستقل
قطاع آميسا.. تراجع ثم اختفاء من الإفصاح المستقل
كان قطاع آميسا الوحدة التشغيلية التي تضم إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا داخل "بيبسيكو"، وتأتي أهميته من أنه كان يجمع أسواقاً رئيسية شهدت حملات مقاطعة أو تأثرت بأجواء الحرب. وتكشف أرقام صافي إيراداته مساراً لافتاً ثم اختفاءً من الإفصاح المستقل في 2025.
بالمليون دولار: تراجع في 2023 ثم ارتفاع طفيف في 2024 — وفي 2025 لم يعد القطاع يظهر مستقلاً بعد إعادة الهيكلة.
المصدر: التقارير السنوية لشركة بيبسيكو (Form 10-K) — 2022–2025، هيئة SEC
عزت الشركة تراجع إيرادات "آميسا" في 2023 أساساً إلى أثر سلبي كبير من تقلبات العملات (خصوصاً ضعف الجنيه المصري) إضافة إلى تراجع في الحجم العضوي. لكن تبدو دلالة 2024 أوضح في سياق الحرب والمقاطعة؛ ففي أول عام كامل بعد اندلاع الحرب، سجّل القطاع تراجعاً مزدوج الرقم في حجم وحدات الأغذية الميسّرة في الشرق الأوسط وباكستان، وتراجعاً منخفضاً من خانة واحدة في حجم وحدات المشروبات في الشرق الأوسط.
ومع ذلك ظل صافي الإيرادات يرتفع 1% فقط، مدعوماً بالتسعير ونمو الحجم العضوي في أسواق أخرى، ومضغوطاً بأثر سلبي قدره 9 نقاط مئوية من العملات. وهذه أرقام صافي إيرادات اسمية، تتأثر بالأسعار والعملات والتضخم ومزيج المنتجات، ولا تقيس وحدها عدد العبوات المباعة.
ثم جاءت 2025 بلا رقم مستقل لقطاع "آميسا"، بعد أن أعادت "بيبسيكو" هيكلة قطاعاتها — ولم يكن الأمر دمجاً كاملاً لآميسا مع أوروبا، بل توزيعاً لأعماله بين قطاعات جديدة، منها أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. ومنذ ذلك التعديل، أصبحت المقارنة التاريخية لأداء بيبسيكو في الشرق الأوسط وجنوب آسيا أصعب على القارئ الخارجي.
ولا تعني أرقام "آميسا" أن المقاطعة وحدها تفسر التراجع؛ فالقطاع واسع ويضم عشرات الأسواق، وتتداخل في أرقامه العملات والتضخم والأسعار وأداء المنتجات. ولا تكشف "بيبسيكو" توزيعاً قطرياً كاملاً داخل القطاع، ولا تفصل أداء علامات مثل "سودا ستريم" أو "صابرا"، إذ يميّز الإفصاح فقط بين إيرادات المشروبات والأغذية الميسّرة على مستوى القطاع.
ستاربكس
الشركة التي اعترفت بصيغة الماضي الصريح
كانت "ستاربكس" من الشركات البارزة التي واجهت دعوات وحملات لمقاطعة متاجرها خلال الحرب على غزة، وتُظهر إفصاحاتها إلى هيئة الأوراق المالية الأمريكية أن المقاطعة حضرت ضمن المخاطر التي قد تؤثر في أعمال الشركة، وإن كانت الوثائق لا تربط هذه المقاطعات صراحةً بغزة.
عالمياً، تعمل "ستاربكس" بأكثر من نموذج؛ ففي أمريكا وكندا والصين تدير الشركة عدداً كبيراً من مقاهيها مباشرة، بينما تعتمد في أسواق أخرى — بينها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا — على نموذج الترخيص، الذي تمنح بموجبه حق استخدام علامتها لشريك محلي مقابل رسوم إتاوات مرتبطة بالمبيعات، إضافة إلى إيرادات بيع منتجات ومستلزمات للمشغّلين.
في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الشريك المرخّص له هو مجموعة الشايع الكويتية، التي تدير شبكة واسعة من متاجر "ستاربكس". وفي مايو/أيار 2024، أعلنت المجموعة تسريح أكثر من 2000 موظف من شبكة "ستاربكس" في الشرق الأوسط، وعزت ذلك إلى "ظروف تجارية صعبة".
لكن وكالة "رويترز" قالت آنذاك إن قرار المجموعة جاء مع تضرّر النشاط الناجم عن مقاطعات المستهلكين بسبب الحرب في غزة. وجاء الإعلان بعد نحو 7 أشهر من بدء الحرب، وفي وقت كانت العلامة تواجه فيه حملات مقاطعة واسعة في أسواق عربية وإسلامية.
مايو / أيار 2024
موظف سُرّحوا من شبكة «ستاربكس» في الشرق الأوسط — عزت مجموعة الشايع ذلك إلى «ظروف تجارية صعبة».
لغة المخاطر.. من التحذير إلى الاعتراف
بيّن تحليل إفصاحات "ستاربكس" بين 2022 و2025 ظهوراً أوضح للمقاطعة في تقارير الشركة. ومن الجدير بالإشارة أن السنة المالية لـ"ستاربكس" لا تنتهي في نهاية ديسمبر كبقية الشركات، بل عادةً في أواخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر.
في تقرير 2022 ظهرت كلمة "مقاطعات" لكن في سياقات عامة، دون ربطها بحملة محددة ضد "ستاربكس" ولا بالشرق الأوسط. وفي تقرير 2023 تحدّثت الشركة أيضاً عن المقاطعة ضمن المخاطر، دون ربطها بالشرق الأوسط.
لكن في تقرير 2024، برزت المقاطعة بوضوح؛ إذ نقلت الشركة الإشارة إليها إلى قائمة "الملاحظات التحذيرية بشأن البيانات التطلعية" في الصفحات المبكرة، وأضافت أن "الادعاءات حتى لو كانت غير صحيحة" بأنها تتبنى مواقف بشأن قضايا اجتماعية أو جيوسياسية قد تؤثر سلباً في قيمة علامتها.
أما في تقرير 2025، فانتقلت "ستاربكس" إلى الصيغة الأكثر مباشرة، فقالت إن تطورات أثّرت في قيمة علاماتها أطلقت في الماضي حملات مقاطعة لمتاجرها ومنتجاتها، وقد تطلقها مستقبلاً.
وفي الإفصاح نفسه، أقرّت الشركة بدور منصات التواصل الاجتماعي ومشاركة الفيديو والرسائل الفورية في تسريع انتشار التعليقات السلبية، أحياناً قبل أن تتاح لها فرصة التحقيق أو الرد.
خلاصة: كيف تغيّرت لغة المخاطر عبر السنوات
- 2022
كلمة «مقاطعات» في سياق عام، دون ربطها بحملة محددة ولا بالشرق الأوسط
- 2023
ذكر المقاطعة ضمن المخاطر، دون ربطها بالشرق الأوسط
- 2024
إبرازها في الصفحات المبكرة: «ادعاءات حتى لو كانت غير صحيحة» بتبني مواقف جيوسياسية قد تضرّ العلامة
- 2025
الصيغة الأكثر مباشرة: تطورات أطلقت حملات مقاطعة لمتاجرها، وقد تطلقها مستقبلاً
لا تقف أهمية الإفصاحات التي قدّمتها العلامات التجارية الكبرى خلال الحرب على غزة عند الأرقام وحدها، بل عند اللغة التي اختارتها الشركات حين خاطبت المستثمرين لا الجمهور.
فداخل وثائق قانونية لا تحتمل كثيراً من المجاملة، ظهرت المقاطعة والحرب والشرق الأوسط وتراجع الطلب بوصفها عوامل ضغط على الأعمال، لتبيّن أن حملات المقاطعة لم تكن مجرد ضجيج خارجي حول العلامات ومواقفها من الحرب على غزة وإسرائيل.
ولا تجزم الإفصاحات المالية بحجم أثر المقاطعة، ولا تعزلها عن بقية العوامل الاقتصادية والتشغيلية، لكنها أقرّت — بدرجات مختلفة — بأن ما جرى خلال الحرب دخل حساباتها، وأثّر في الإفصاح عن المخاطر، وفي بعض الحالات في تفسير سبب تراجع المبيعات.

