العربي الجديد - في وقت تتجه فيه العديد من الاقتصادات حول العالم نحو تقليص الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز المدفوعات الإلكترونية، تواجه غزة معادلة مختلفة تماماً؛ فالدفع الإلكتروني لا يأتي هنا بصفته خياراً تقنياً لتحسين كفاءة الاقتصاد، وإنما في ظل بيئة تعاني ضعف البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات والكهرباء، وتراجع القدرة التشغيلية للمؤسسات المصرفية، فضلاً عن محدودية الثقافة المالية والرقمية لدى شرائح واسعة من المجتمع.
وتزداد حساسية المسألة في قطاع غزة مع استمرار أزمة السيولة النقدية وصعوبة إدخال العملات الورقية إلى القطاع، الأمر الذي دفع المواطنين والتجار إلى الاعتماد بدرجات أكبر على الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمية. إلا أن هذا التحول يثير سؤالاً أساسياً: هل تستطيع غزة فعلاً التعايش مع اقتصاد شبه خالٍ من الكاش، أم أن الدفع الإلكتروني في الظروف الحالية قد يتحول من أداة تسهيل إلى مصدر جديد للمخاطر والتعقيدات؟
مراقبة الأموال في غزة
بدوره، يقول بائع الملابس في سوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وسام نعيم، إن اختفاء الكاش وضع التجار والمواطنين أمام صعوبات يومية، مشيراً إلى أن الاعتماد المتزايد على الدفع الإلكتروني لا يحل أزمة السيولة بالكامل، خصوصاً مع صعوبة تحويل الأرصدة إلى نقد وارتفاع كلفة بعض عمليات السحب والتحويل. ويضيف نعيم لـ"العربي الجديد": "انقطاع الكهرباء أو الإنترنت قد يعرقل إتمام المعاملات، كما أن بعض الزبائن، خصوصاً كبار السن والأقل خبرة بالتكنولوجيا، يواجهون صعوبة في استخدام المحافظ والحسابات الإلكترونية".
"الحل لا يكمن في إلغاء الدفع الإلكتروني أو الاستغناء عن الكاش" وفق بائع الملابس، وإنما في التوفيق بين الطريقتين، بحيث يستفيد المواطن والبائع من سهولة الدفع الرقمي، مع الحفاظ على النقد وسيلةً بديلةً وضرورية عند تعطل الشبكات أو الأنظمة.
في حين يرى المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي أن التحول الكامل إلى الدفع الإلكتروني يحمل جانباً يتجاوز المسألة الاقتصادية والتكنولوجية، ويتعلق كذلك بالخصوصية الفردية وحركة الأموال. ويقول الدريملي لـ"العربي الجديد": "الدفع الإلكتروني غير إنساني من زاوية أنه يجعل الإنسان يشعر بأنه مراقب في كل شيكل ينفقه، ومن أين جاء هذا المال وإلى أين ذهب"، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى انعدام مساحة الخصوصية المالية التي كان يوفرها التعامل النقدي.
وبحسب رؤيته، فإن التعامل النقدي يمنح الأفراد قدراً أكبر من الخصوصية في معاملاتهم اليومية، بينما تترك المدفوعات الرقمية سجلاً إلكترونياً لكل عملية تقريباً. ويضيف: "ما يجري في غزة يصب في اتجاه تضييق حركة الأموال غير المتابعة وتحويلها تدريجياً إلى حركة مالية قابلة للرصد والمراقبة، مع زيادة الاعتماد على الدفع الإلكتروني". ويعتبر أن الهدف لا يقتصر على الضرائب أو مكافحة غسل الأموال، وإنما يرتبط أيضاً بتتبع سلاسل ورود الأموال، بهدف جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات وتحليلها لفهم حركة الأموال.
تجدر الإشارة إلى أن الدفع الإلكتروني أصبح توجهاً رئيسياً لدى الحكومات والمؤسسات المالية، لما يوفره من سجل واضح للتدفقات المالية، ويساعد السلطات على تتبع مصادر الدخل ومكافحة غسل الأموال والاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي. كما يسهم في خفض تكاليف إدارة النقد، وتسريع عمليات الدفع والتحويل، وتحسين قدرة المؤسسات المالية على تحليل النشاط الاقتصادي. لكن هذه المزايا تتطلب منظومة مستقرة وآمنة. وفي غزة، تزيد المخاطر بسبب انقطاع الاتصالات أو الكهرباء، أو تعطل الأنظمة المصرفية والمحافظ الإلكترونية، ما قد يعيق شراء الاحتياجات الأساسية ودفع الأجور وتسوية الحسابات التجارية.
بنية تحتية مهترئة في غزة
ويحذر المختص الاقتصادي عماد لبد من الانتقال إلى الاعتماد الكامل على المدفوعات الإلكترونية في غزة، قائلاً: "لا أعتقد أن لدينا، كفلسطينيين، البنية التحتية الآمنة للمعاملات والدفع الإلكتروني بالدرجة التي تسمح بإلغاء النقد بصورة كاملة". ويقول لبد لـ"العربي الجديد": "المخاطر الإلكترونية أصبحت مشكلة عالمية حتى بالنسبة إلى الأنظمة المصرفية المتقدمة"، لافتاً إلى أن شركات التكنولوجيا في الدول المتقدمة تمتلك قدرات متقدمة في مجال الاختراق، وأن سرقة المحافظ الإلكترونية والاحتيال الرقمي يمثلان تحدياً حقيقياً للمؤسسات المالية الأوروبية، وبالتالي فإن نقل الاقتصاد إلى نموذج يعتمد كلياً على المدفوعات الرقمية من دون بنية حماية قوية قد يخلق مخاطر جديدة.
كما يؤكد أن جعل غزة تعتمد بالكامل على الدفع الإلكتروني "غير ممكن بأي حال"، مستشهداً بتجارب دول متقدمة في هذا المجال. ويشير إلى أن السويد، رغم كونها من أكثر الدول تقدماً في تقليل استخدام النقد، شهدت توجهاً رسمياً لتأكيد أهمية الاحتفاظ بالنقد وسيلةَ دفعٍ احتياطيةً، إلى جانب تنويع أدوات الدفع الإلكتروني بما يشمل حلولاً لا تعتمد بصورة كاملة على الاتصالات أو الإنترنت.
وفي ما يتعلق بإدخال النقد إلى قطاع غزة، يقول مصدر في سلطة النقد الفلسطينية "تتولى مهام البنك المركزي في فلسطين" إن دخول الكاش ليس قراراً تتخذه البنوك أو سلطة النقد بإرادتها، مشيراً إلى أن مشكلة إدخال النقد كانت قائمة بحدة أقل قبل الحرب، وليست سياسة جديدة نشأت خلال الحرب.
وأوضح المصدر لـ"العربي الجديد" أن إدخال النقد يرتبط بالحصول على تنسيق وموافقات أمنية مسبقة مع الجانب الإسرائيلي ومع بنك إسرائيل، مضيفاً أن الجانب الإسرائيلي يرفض منذ بداية الحرب إدخال الأموال النقدية إلى قطاع غزة. وبحسب المصدر، فقد رُفعت عدة طلبات بهدف إدخال النقد ومعالجة أزمة السيولة النقدية التي يعانيها القطاع، إلا أن هذه الطلبات قوبلت بالرفض، مؤكداً أن مسألة إدخال الكاش إلى غزة "إسرائيلية بحتة"، وترتبط بقواعد إدارة الأمور في القطاع، وليست قراراً مصرفياً فلسطينياً يمكن للبنوك أو سلطة النقد حسمه منفردة.
وبالتالي، لا يمثل الدفع الإلكتروني مشكلة بحد ذاته، وإنما تكمن المسألة في مدى ملاءمته لواقع غزة الاقتصادي والتكنولوجي. فرغم ما يوفره من سرعة وشفافية وكفاءة، يصبح هشاً مع انقطاعات الكهرباء والاتصالات وتعطل الأنظمة البنكية والمحافظ الإلكترونية، كما قد تزيد محدودية الثقافة المالية والرقمية من مخاطر الأخطاء والاحتيال.
