Adbox

«القدس العربي» : على امتداد الأراضي الواقعة شرق بلدة الطيبة، شرق رام الله، تبدو المساحات الزراعية مفتوحة، لكن أصحابها لا يعيشون فيها الإحساس نفسه بالاتساع والأمان، فالأرض التي كانت مصدراً للرزق والحياة، أصبحت بالنسبة إلى سكانها مساحة محفوفة بالخوف، فيما يتكرر حضور المستوطنين في محيط منازلهم وحقولهم، وتتحول تفاصيل بسيطة، كسياج أو خرطوم مياه أو شجرة زيتون، إلى أهداف للاعتداء والتخريب.

في تجمع أبو نايف، حيث تتناثر مساكن الفلسطينيين بين الأراضي الزراعية، وقفنا على تفاصيل يومية يقول السكان إنها تحولت إلى مصدر دائم للقلق.

هنا، لا يتحدث الأهالي عن حادثة وقعت وانتهت، بل عن اعتداءات تتكرر صباحاً ومساءً، وعن مستوطنين يدخلون إلى الأراضي ويطلقون مواشيهم فيها، ثم يتركون خلفهم مزروعات متضررة وأسواراً مكسورة وخراطيم مياه مقطوعة.

نايف الكعابنة، أحد سكان التجمع، يصف المشهد بأنه حياة يومية من المواجهة التي يحاول الأهالي تفاديها. ويقول إن المستوطنين يأتون إلى المكان في الصباح والعصر، ثم يعودون مرة أخرى، فيما يحاول السكان منع مواشيهم من الدخول إلى الأراضي الزراعية.

ويقول نايف لـ»القدس العربي»: «نحن لا نريد الحرب أو الاشتباك مع أحد»، موضحاً أن الأهالي لا يريدون الاشتباك مع المستوطنين، وإنما يحاولون الوقوف أمامهم ومنعهم من إدخال المواشي إلى أراضيهم، من دون رفع أيديهم أو المبادرة إلى الاعتداء.

لكن محاولة تجنب المواجهة لا توقف ما يصفه بالاعتداءات المتكررة. فالمستوطنون، حسب شهادته، يخربون الأسوار ويدخلون إلى الأراضي، وتتلف مواشيهم المزروعات، فيما تُقطع خراطيم المياه وتتعرض أشجار الزيتون والأراضي الزراعية للأضرار.

ولا تنتهي القصة مع حلول المساء. يقول نايف إن المستوطنين يأتون ليلاً ويرشقون التجمع بالحجارة ويرعبون الأطفال، فيما شهدت الأيام الأخيرة مواجهات متكررة، انتهت إحداها، حسب روايته، باعتقال أحد أفراد عائلته، رغم تأكيده أن الأهالي لم يبادروا إلى الاعتداء.

ويضيف: «بدهم يهجرونا، بدهم ياخذوا الأرض منا»، ثم يؤكد أن سكان التجمع لا ينوون المغادرة، وأنهم صامدون رغم الظروف القاهرة.


اعتداءات في محيط بلدة مسيحية

قصة تجمع أبو نايف لا تبدو منفصلة عن المشهد المحيط ببلدة الطيبة، حيث تنتشر، حسب الأب بشار فواضلة، كاهن «البطريركية اللاتينية» في الطيبة، عدة بؤر استيطانية رعوية في الجهتين الشرقية والغربية من البلدة.

ويقول الأب بشار، في حديث مع «القدس العربي»، إن ما تتعرض له الطيبة يأتي في سياق أوسع من الاعتداءات التي تطال الفلسطينيين في مختلف قرى وبلدات ومدن الضفة الغربية، من الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، والحرائق وحرق السيارات والكتابات العنصرية على الجدران، إلى التضييق على حركة السكان ومحاولات الضغط عليهم لترك أراضيهم.

ورغم أن الطيبة بلدة فلسطينية مسيحية، فإن الأب بشار يؤكد أن سكانها يعيشون الظروف القاسية نفسها التي يعيشها الفلسطينيون في مناطق أخرى، مشيراً إلى أن البؤر الاستيطانية الرعوية المحيطة بالبلدة أصبحت مصدراً دائماً للخوف، خصوصاً مع امتداد نشاطها إلى الأراضي الزراعية ومصادر رزق السكان.

ويربط الأب بشار استمرار هذه البؤر بالسياسات الإسرائيلية، متهماً وزيري الأمن القومي والمالية الإسرائيليين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بدعم المستوطنين المتطرفين مالياً وتسليحهم.


«الحماية الفعلية» لا تكفيها القرارات

في ظل تصاعد الاعتداءات، أُعلنت الطيبة ورمون وجزء من دير جرير منطقة عسكرية مغلقة، في خطوة قالت إسرائيل إن هدفها الحد من هجمات المستوطنين، لكن الأب بشار يرى أن الإعلان وحده لا يجيب عن السؤال الذي يطرحه سكان المنطقة: من يحميهم فعلياً؟

ويقول: «الأهم هو الحماية، وإن كنا نتحدث عن حماية، فنحن نتحدث عن حماية فعلية».

وحسبه، فإن الحماية الفعلية يجب أن تظهر في إجراءات ملموسة تضمن للسكان حرية التنقل والوصول إلى أراضيهم الزراعية، وتحميهم داخل بيوتهم وأماكن عملهم، وتعيد إليهم الشعور بالأمان والطمأنينة.

وعلى الرغم من إعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة من قبل قوات الاحتلال، فإن ذلك لم يمنع المستوطنين من العودة والهجوم على الفلسطينيين هناك وترهيبهم وإحراق ممتلكاتهم وترويع أطفالهم.

ويقول نايف لـ»القدس العربي»: «إننا هنا حاولنا التواصل مع جهات رسمية لتوفير الحماية، لكننا في كل يوم نواجه هذا الظلم وحدنا، والجميع يعجز عن توفير الحماية لنا، فنجد أنفسنا في مواجهة الخطر مرة أخرى».

زيتون لا يستطيع أصحابه الوصول إليه

الضغط على الأرض لا يقتصر على الاعتداء المباشر، فالمزارعون في الطيبة يواجهون، حسب الأب بشار، مشكلة أخرى تتمثل في صعوبة الوصول إلى أراضيهم. ويقول إن سكان البلدة لم يتمكنوا، حسب شهادته، من الوصول إلى أشجار الزيتون وقطف ثمارها بصورة طبيعية منذ ثلاث سنوات، خصوصاً في الأراضي الواقعة شرق الطيبة.

وفي بعض الحالات، يدخل المزارعون إلى أراضيهم لفترة قصيرة ثم يغادرون سريعاً، بينما استعان السكان في مواسم سابقة بوجود سفارات وقنصليات وممثليات دبلوماسية لتوفير قدر من الحماية خلال موسم قطف الزيتون.

هذا العام، يتوقع الأب بشار أن يكون موسم الزيتون مثمراً، لكن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى المزارعين لا تزال قائمة: كيف سيتمكنون من الوصول إلى أشجارهم وقطف الثمار؟

فالأرض بالنسبة إلى المزارع ليست مجرد مساحة زراعية، وإنما مصدر رزق وعلاقة يومية بالمكان. ويشير الأب بشار إلى أن عدداً من أبناء الطيبة فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم، خصوصاً المزارعين في المناطق الشرقية.


الهجرة… الوجه الآخر للخوف

ومع استمرار الاعتداءات وصعوبة الوصول إلى الأرض، يرى الأب بشار أن آثار الوضع بدأت تظهر في تركيبة المجتمع نفسه.

ويقول إن أكثر من 16 عائلة هاجرت من الطيبة، إلى جانب عشرات الأفراد الذين غادروا البلدة بينما بقيت عائلاتهم فيها، متجهين إلى الولايات المتحدة وإسبانيا ودول أخرى بحثاً عن الأمن والاستقرار ومستقبل أفضل لهم ولأبنائهم.

ويرى أن استمرار الهجرة يؤدي إلى انخفاض أعداد المسيحيين الفلسطينيين في الطيبة، ويضع وجودهم أمام ما يصفه بـ»التهديد الوجودي».

ويؤكد، في الوقت نفسه، أن الفلسطيني، بصفته فلسطينياً، هو المستهدف، لكن الفلسطيني المسيحي يواجه تهديداً إضافياً يتعلق باستمرارية وجوده التاريخي في هذه الأرض.

ويستحضر الأب بشار الرواية الإنجيلية المتعلقة بأفرائيم، التي يربطها بالطيبة الحالية، ليؤكد أن المسيحيين الفلسطينيين في البلدة ليسوا جماعة وافدة، وإنما جزء أصيل من تاريخ المكان.


البقاء في الأرض

ويقول الأب بشار إن «البطريركية اللاتينية» تعمل على نقل ما يجري في الطيبة إلى الكنائس في مختلف أنحاء العالم والمجتمع الدولي، إضافة إلى التواصل مع الفاتيكان، من خلال الزيارات والعلاقات والوسائل السلمية والدبلوماسية والسياسية.

ويؤكد أن الهدف من هذه التحركات هو الضغط للحد من اعتداءات المستوطنين، وتعزيز شعور السكان بالأمان، وتمكينهم من البقاء في أرضهم. فالقضية، كما يقول، لا تتعلق بحماية المباني الدينية فقط، وإنما بحماية الإنسان الفلسطيني المسيحي وتمكينه من ممارسة حياته الطبيعية.

وفي تجمع أبو نايف، تتخذ هذه المعاناة شكلاً مباشراً: عائلة تحاول حماية منزلها وأرضها ومياهها، ومستوطنون يعودون مرة بعد أخرى، فيما يحاول السكان تفادي المواجهة والتمسك بمكانهم.

وفي الطيبة، تأخذ الأزمة شكلاً أوسع: أراض يصعب الوصول إليها، ومزارعون يخشون فقدان مصدر رزقهم، وعائلات غادرت، ووجود مسيحي فلسطيني يواجه خطر التراجع بفعل الهجرة والخوف.

لكن بين هذه التفاصيل، تتكرر رسالة واحدة: البقاء.

نايف الكعابنة يختصر موقفه بالقول: «إحنا صامدين الحمد لله»، فيما يؤكد الأب بشار أن أبناء الطيبة يريدون الحرية والأمان والسلام، وأن يبقوا في الأرض التي يرون فيها وطنهم وتاريخهم.

في شرق الطيبة، لا تبدو المعركة بالنسبة إلى السكان مجرد مواجهة مع اعتداء عابر، بل محاولة يومية للحفاظ على الأرض، ومصدر الرزق، والبيت، والقدرة على الوصول إلى شجرة الزيتون، والأهم، حق الفلسطيني في أن يبقى في المكان الذي يعيش فيه.

أحدث أقدم