القدس العربي - لم يعد موسم الزيتون في قطاع غزة كما اعتاد عليه المزارعون الفلسطينيون على مدار عقود طويلة، فالأراضي التي كانت تعج بأشجار الزيتون الخضراء، وتفوح منها رائحة الثمار مع اقتراب موسم القطاف، تحولت في مناطق واسعة إلى مساحات مدمرة، بفعل الحرب وتجريف الأراضي واستهداف البنية الزراعية، ما حرم آلاف المزارعين من جني محاصيلهم، وقطع صلتهم بمصدر رزق ارتبط بحياتهم وذاكرتهم وأرضهم.
ويحل موسم قطف ثمار الزيتون مطلع تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، حيث يبدأ المزارعون بحصد الثمار وتخزينها، إلى جانب تحويل جزء منها إلى المعاصر لإنتاج الزيت، الذي يعتبر رمزا للتراث الفلسطيني، ويحرص الغزيون على الحصول على زيت الزيتون الذي يعرف بمذاقه وجودته العالية.
وتقدر مساحة الأراضي التي كانت مزروعة بالزيتون في غزة قبل نشوب حرب الإبادة قرابة 40 ألف دونم، وتضم مليون شجرة تنتج أكثر من 35 ألف طن، ويرحل قرابة 25 طن للعصر والحصول على زيت الزيتون، والباقي يتم تخليله. هذا العام، يستقبل مزارعو غزة موسم الزيتون بقلوب مثقلة بالخسارة، بعدما وجد كثيرون منهم أشجارهم مقتلعة أو محترقة، وأراضيهم الزراعية مدمرة، فيما لا تزال صعوبة الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي تحول دون تفقدها والعناية بما تبقى من أشجارها، ولم تقتصر الخسائر على غياب المحصول، بل امتدت لتطال مصدر دخل عائلات بأكملها، وتهدد واحدة من أبرز ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي في القطاع.
فشجرة الزيتون، التي لطالما شكلت جزءا أصيلا من الهوية الفلسطينية، ليست مجرد محصول موسمي بالنسبة إلى المزارعين، بل هي إرث تتوارثه الأجيال، وذاكرة عائلية ارتبطت بالأرض والعمل والصمود، غير أن الحرب وضعت هذا الإرث أمام تحديات غير مسبوقة، مع تدمير مساحات زراعية واسعة وتعطل أعمال الرعاية والحراثة والتقليم، إلى جانب صعوبة توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي اللازمة لاستمرار الموسم.
في مناطق مختلفة من قطاع غزة، يعتمد المزارعون على أشجار الزيتون كمصدر رئيسي للدخل، إذ ينتظرون موسم القطاف كل عام لتسويق الثمار واستخراج الزيت وتوفير احتياجات أسرهم، لكن الحرب قلبت هذه المعادلة، بعدما تعرضت أراضيهم لأضرار جسيمة، وفقد مزارعون أشجارا زرعوها ورعوها على مدار سنوات طويلة، ولا تتوقف الخسارة عند الأشجار التي اقتلعت أو دمرت بصورة مباشرة، إذ إن الأشجار التي نجت من القصف والتجريف تحتاج إلى رعاية مستمرة لضمان بقائها وإنتاجها، ومع تعطل أعمال الري والتقليم ومكافحة الآفات، وارتفاع تكاليف المستلزمات الزراعية وصعوبة الوصول إلى الحقول، يواجه المزارعون مخاوف من تراجع الإنتاج في المواسم المقبلة، حتى في الأراضي التي لا تزال تحتفظ بجزء من غطائها النباتي.
يقول المواطن أبو إيهاب صاحب بيارة زيتون لـ«القدس العربي»، «لم تكن أشجار الزيتون في غزة مصدرا للدخل فقط، بل شكلت جزءا أساسيا من نمط الحياة والعادات الاجتماعية والغذائية للفلسطينيين، ففي موسم القطاف، تجتمع العائلات في الحقول، ويتعاون أفرادها في جمع الثمار، فيما تترافق أعمال القطاف مع ذكريات عائلية متوارثة منذ سنوات طويلة».
ويضيف إن الأمر يزداد تعقيدا مع تعذر الوصول إلى الأرض التي توجد شرق مدينة جحر الديك وسط قطاع غزة حيث لا يمكننا معرفة حجم الأضرار التي لحقت بالأرض، أو تقدير فرص استعادة الإنتاج، في وقت تتراكم فيه الأعباء المعيشية وتتراجع مصادر الدخل.
ولفت إلى أن مشاهد قطف الثمار تبددت في كثير من المناطق التي طالها الدمار، ويغيب معها محصول كان ينتظره المزارعون لتوفير الزيت والزيتون المخلل، أو لبيع جزء من الإنتاج وتأمين احتياجاتهم المعيشية، ومع تراجع الإنتاج المحلي، تتزايد المخاوف بشأن قدرة الأسر على الحصول على زيت الزيتون بأسعار مناسبة، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبين خلال حديثه، بالنسبة إلى المزارعين، لا تعني خسارة موسم الزيتون فقدان محصول لعام واحد فحسب، بل قد تعني خسارة استثمار طويل الأمد، إذ تحتاج شجرة الزيتون إلى سنوات من الرعاية قبل أن تصل إلى مستويات إنتاجية جيدة، فيما تتطلب إعادة تأهيل الأراضي المتضررة جهدا ووقتا وتكاليف قد تفوق قدرة كثير من الأسر.
أما الخبير الاقتصادي ماهر الطباع فيقول، يواجه المزارع الذي فقد أشجاره معضلة مضاعفة، فمن جهة، خسر مصدر دخله الموسمي الذي كان يعتمد عليه لتلبية احتياجات أسرته، ومن جهة أخرى، يجد نفسه أمام تكاليف إعادة زراعة الأرض وتجهيزها، في ظل ظروف اقتصادية قاسية، ونقص الإمكانات اللازمة لاستئناف النشاط الزراعي.
ويقول لـ«القدس العربي»: «إن تراجع إنتاج الزيتون ينعكس على العمال الذين يعتمدون على الموسم لتوفير فرص عمل مؤقتة، بدءا من أعمال تنظيف الأراضي والعناية بالأشجار، وصولا إلى القطاف ونقل المحصول وتشغيل المعاصر وتسويق الزيت، ومع غياب المحصول أو انخفاضه، تتراجع فرص العمل التي كانت تشكل موردا إضافيا لعشرات الأسر».
وأضاف أن خسارة موسم الزيتون تتحول إلى أزمة اقتصادية متشعبة، لا تقتصر على أصحاب الأراضي، بل تمتد إلى حلقات الإنتاج والتصنيع والتسويق، في قطاع يعاني أصلا من تضرر المنشآت والبنية التحتية، ونقص الوقود والمواد الأساسية.
وتابع حديثه، لا تقتصر التداعيات على المستهلكين، فالمزارع الذي يعتمد على بيع الزيتون أو زيته لتغطية نفقات التعليم والعلاج والغذاء، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، تتراجع فيه قدرته على الإنتاج، في الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات أسرته.
ولا يمثل غياب موسم الزيتون في مناطق واسعة من غزة، أو تراجع إنتاجه بفعل الدمار، أزمة زراعية عابرة، بل يعكس حجم الخسائر التي طالت حياة الفلسطينيين ومصادر رزقهم وعلاقتهم بأرضهم، فالأشجار التي دمرتها الحرب لم تكن مجرد نباتات مثمرة، بل كانت جزءا من ذاكرة المكان، وشاهدا على سنوات من العمل والارتباط بالأرض. وبين مزارع ينتظر فرصة للوصول إلى أرضه، وآخر يحاول تقدير حجم ما فقده، وعائلة كانت تعتمد على محصول الزيتون لتأمين احتياجاتها السنوية، تتكشف ملامح أزمة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الموسم.
