العربي الجديد - اشتدّ معاناة ذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة، حيث يشكّلون إحدى أكثر الفئات تضرراً نتيجة حرب الإبادة واستمرار الحصار الإسرائيلي، ما أدى إلى حرمانهم من الرعاية الطبية وزراعة قوقعة الأذن إلا بعدد محدود جدّاً، وسط نقصٍ شديد في البطاريات والسماعات وقطع الغيار، علماً أن الآلاف صاروا عرضة لفقدان السمع.
أدّت حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى ارتفاع أعداد المصابين بإعاقات سمعية من جراء الانفجارات الهائلة التي وقعت على مدار عامين متواصلين. وتتفاقم معاناة ذوي الإعاقة السمعية نتيجة ضعف عملية التأهيل، وشحّ قطع الغيار والبطاريات اللازمة لتشغيل السماعات، وتوقف عمليات زراعة قوقعة الأذن أو إجرائها بشكل محدود، ما أفقد المصابين القدرة على التواصل مع عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي.
كما يواجه أهالي الأطفال الذين أجروا عمليات زراعة قوقعة قبل الحرب مشكلات كبيرة، ويعانون في رحلة البحث عن بطاريات وقطع غيار، ما أدّى إلى فقدان هؤلاء الأطفال القدرة على السمع والنطق، وأدخلهم في معاناة نفسية كبيرة، فيما تكافح عائلاتهم التي تملك تحويلاتٍ للعلاج في الخارج من أجل السفر لإجراء عملية زراعة القوقعة وفتح نافذة الأمل لأطفالهم من جديد.
وبعد انتظار طويل دام ثلاثة أعوام من المنع والإغلاق، سمح الاحتلال بإدخال 1500 سماعة طبية في أغسطس/ آب 2026 وزّعتها شركة أستيميد (شركة متخصّصة في تقديم الحلول الطبية والسمعية المتكاملة) بدعم من مؤسسة وقف الديانة التركي (خيرية). وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، سمح الاحتلال الإسرائيلي بقدوم جرّاح روسي متخصّص في عملية زراعة القوقعة ووفد طبي مساعد، حيث أجرى 50 عملية زراعة في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبيّ القطاع من خلال جمعية "من حقي أسمع" في الولايات المتحدة الأميركية، وبتمويل من "الهيئة الإسلامية للتنمية والتمكين في أميركا".
وفي حديث إلى "العربي الجديد"، يقول محمود اليعقوبي، وهو اختصاصي السمع والتخاطب ومدير شركة أستيميد التي نفّذت المشروعين في غزة، إنّ المشروع الأول تضمّن تركيب 1500 سماعة طبية من أصل إجمالي 16 ألف مريض بحاجة إلى سماعات، لافتاً إلى أنّ المشروع الثاني المتعلق بزراعة القوقعة حلّ مشكلة 50 طفلاً من قائمة انتظار تضمّ 200 مريض يحتاجون إلى زراعة قوقعة. ويضيف اليعقوبي أنّ مجمل ما جرى إدخاله من مستلزمات تخصّ ذوي الإعاقة السمعية لا يفي بجزء بسيط من الحاجات، سواء من البطاريات أو قطع الغيار أو السماعات، ولكنّه ساهم في تخفيف المعاناة.
وبحسب اليعقوبي، يؤدي منع الاحتلال دخول قطع الغيار اللازمة والبطاريات والسماعات إلى مفاقمة معاناة ذوي الإعاقة السمعية، ما يجعلهم غير قادرين على سماع الانفجارات والمخاطر التي تحيط بهم في ظل فقدان حاسة السمع. ويحذّر من تداعيات كارثية نتيجة عدم اكتشاف الإعاقة السمعية بشكل مبكر، ما يؤدي إلى زيادة أعداد المصابين وعدم إيجاد الحلول اللازمة لهم، أو استغلال الوقت المبكر لتطوّرهم، واكتسابهم اللغة والنطق، وبالتالي عدم تمتّعهم بحياة سمعية طبيعية، عندما يُحرمون من السماعات وقطع الغيار أو من زراعة قوقعة الأذن في سنّ مبكرة.
ويؤكّد اليعقوبي أنّ "المحافظة على السماعات الطبية، كونها قطعاً إلكترونية، يتطلب أجواء نظيفة قد لا تتوفر في بيئة النزوح، والبقاء من دون استخدامها يفاقم درجة ضعف السمع". ويعدّد أسباب تفاقم المشكلة، بدءاً من الانفجارات والتلوث الضوضائي والبيئي إلى العوامل الوراثية وسوء التغذية. ويضيف: "يُولد كثير من الأطفال بإعاقة سمعية تُكتشف في وقتٍ متأخر قد يصل إلى عامٍ ونصف عام، بسبب عدم توفر الأجهزة الطبية اللازمة للكشف المبكر. كما أنّ عدم توفر زراعة قوقعة الأذن، بسبب نقص الكوادر المتخصّصة والإمكانات، يفاقم مشكلة هؤلاء الأطفال".
ووفقاً لمدير جمعية أطفالنا للصم في غزة فادي عابد، فإنّ أعداد ذوي الإعاقة السمعية ارتفع من عشرة آلاف مصاب قبل الحرب إلى 45 ألفاً بسبب ظروف الحرب وقوة الانفجارات وغياب الرعاية الصحية، فيما يبلغ حجم النقص الحالي في السماعات الطبية نحو 50 ألف سماعة طبية، كما أن 83% تقريباً من ذوي الإعاقة الحركية والسمعية والبصرية فقدوا أدواتهم المساعدة. ويقول عابد لـ"العربي الجديد" إنّ "ذوي الإعاقة السمعية من أكثر الفئات تضرراً من جراء الحرب التي أدّت إلى حرمان الأطفال وذوي الإعاقة في القطاع من الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك خدمات التأهيل والتعليم الدامج والدعم النفسي نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل الخدمات. ويؤدي فقدان الأجهزة والوسائل السمعية إلى تفاقم هذه المعاناة، وتصبح قدرة الأشخاص على تلقي العلاج محدودة".
ويتطرق عابد إلى نتائج دراسة أجرتها جمعية أطفالنا للصم، تُظهر أنّ ما يقارب 35 ألف شخص في قطاع غزة مُعرّضون لفقدان السمع كلياً أو جزئياً إذا لم يُجرَ أي تدخل عاجل لحمايتهم، وذلك نتيجة الحرب والتعرض المتكرّر للانفجارات، وتأخير الرعاية الصحية. وتحذّر الدراسة من أن حالات فقدان السمع الجزئي قد تتحول إلى إعاقات دائمة في حال عدم التدخل المبكر والتأهيل السمعي واللغوي في الوقت المناسب.
وبعد معاناة الانتظار، أجرى الطفل وسيم محمد الجدبة (7 أعوام) وشقيقته نسرين (3 أعوام) عمليّتَي زراعة قوقعة. وتروي والدة الطفلين لـ"العربي الجديد" أنّها عانت كثيراً في انتظار إجراء العمليّتين، وتقول: "ضاعت ثلاثة أعوام من عمر وسيم، وأنا أبحث له بين المراكز عن أدوات تُعينه على السمع، ولكن من دون جدوى". وكانت معاناة وسيم مع الإعاقة السمعية قد بدأت مبكراً، واستمرّت سبعة أعوام من دون حلّ، فبعد عامه الأول، لاحظت والدته أنّه لا يستجيب لنداءاتها، وفي لحظة اقترابه من فرن الطهي لم يستجب لصراخها، وكاد أن يحترق. فكان ذلك علامة على إصابته بإعاقة سمعية أكّدتها الفحوص الطبية، ولكن نتيجة خوف الأهل من زراعة القوقعة، حاولوا تجريب السماعات الطبية التي لم تكن ذات جدوى كبيرة.
وتتابع الوالدة: "أمّا طفلتي نسرين، فوُلدت قبل الحرب بعشرين يوماً، وعندما بلغ عمرها شهراً واحداً، أظهرت الفحوص إصابتها بفقدان شديد للسمع، ولم تفلح جهودنا في إجراء زراعة القوقعة للطفلين إلا في 17 سبتمبر الماضي". إضافة إلى معاناة الوالدة مع طفلَيها لجهة نقص المستلزمات والرعاية الصحية، واجهت الجدبة صعوبات عدّة. وتشرح كيف كانت تهرع لإنقاذ وسيم في كلّ مرة كان يقف فيها مع أطفال المخيم ويبدأ القصف، كونه لا يسمع أصوات الطيران والغارات، فلا يهرب أسوة بغيره من الأطفال، خصوصاً أنّ سماعته بقيت في منزلهم الذي قُصف بدوره، وظلّ وسيم من دون أيّ أدوات سمعية مساعدة ثلاثة أعوام".
وعلى مقربة من منزل الطفل جود محمود المصري (5 أعوام)، أدّى قصف قريب إلى إصابته في الرأس، ما دفع الأطباء إلى إزالة جهاز القوقعة إثر الإصابة. ويروي والده لـ"العربي الجديد": "يعاني جود فقدان السمع منذ الولادة، وكنا قد أجرينا له زراعة القوقعة قبل الحرب، إذ نجحت العملية وتحسنت حالته وصار يسمع وينطق، لكن القصف انتزع فرحتنا به، حيث تجدّدت معاناته ولم يعد يتفاعل كما كان سابقاً. ويومياً يبكي، ويشير إلى جهاز السمع الذي أزلناه بعدما تعطّل، لكنّني عاجز عن فعل شيء، وكلّ ما أتمناه أن تتحوّل قضية جود إلى قضية إنسانية تتيح لنا السفر لعلاجه في الخارج".
وفي حادثة أخرى، نتيجة قصفٍ قريب كذلك، فقدت الطفلة عبير محمد مسعود القدرة على نطق كلماتها الأولى البسيطة مثل بابا، ماما، بعد أن كانت تردّدها بشكل مستمر، ما أثار مخاوف والدتها من مضاعفات القصف على القدرات السمعية لطفلتها، خصوصاً مع تكرار ارتفاع درجة حرارة جسمها تزامناً مع أصوات الانفجارات، ليتّضح لاحقاً تضرّر العصب السمعي نتيجة القصف. وعلى مدى أكثر من عام، خضعت عبير لمراحل تأهيل من أجل زراعة قوقعة الأذن، وصار عمرها اليوم عامين ونصف عام، وقد أجرت عملية الزراعة الشهر الماضي. وتقول والدتها لـ"العربي الجديد": "كانت عملية الزراعة حلماً كبيراً بالنسبة إلينا. كنت أتمنى أن تسمع طفلتي الأصوات من حولها وأن تنخرط في الحياة. بذلتُ جهداً كبيراً كي تسافر، ولم أصدّق أنّها ستحظى بالعملية في قطاع غزة، وهذا ما سيساعدها في مختلف تفاصيل حياتها، وفي التعلم والتواصل مع الآخرين. والآن ننتظر عملية التأهيل بعد العملية الجراحية حتى تسمع الأصوات".
ويمثل تعطل السماعات الطبية لزارعي قوقعة الأذن مشكلة كبيرة تحرمهم من التواصل أو إكمال الدراسة التعليمية، كما جرى مع الطفلة فرح مصطفى أبو صبحة (8 أعوام)، من سكان مواصي خانيونس، التي تعطلت سماعتها خلال الحرب، وفقدت القدرة على السمع والنطق، وتحوّلت إلى لغة الإشارة والتواصل البصري. وقد اضطرّت والدتها إلى تعليق ذهابها إلى المدرسة نظراً إلى عدم قدرتها على سماع المعلمة أو التفاعل في خلال الحصص المدرسية. وتقول لـ"العربي الجديد": "هذا الانعزال عن العالم يؤلمني أكثر من العطل التقني نفسه، ابنتي تراقب زملاءها بحسرةٍ من النافذة، وهم يذهبون إلى المدرسة".
وُلدت فرح طبيعية، لكنّها أُصيبت بمرض اليرقان الشديد (الصفار)، ما أدّى إلى ارتفاع مستويات البيليروبين في الدم ووصولها إلى الدماغ، وبالتالي تأثيرها على القوقعة السمعية والعصب السمعي. ومنذ تلك اللحظة، بدأت فرح بمسار التأهيل والنطق، وباتت السماعة نافذتها الوحيدة للتعرّف على والدتها وأصوات العالم من حولها، قبل أن تخضع لعملية زراعة قوقعة. ومن أجل التعبير عن مشاعرها لطفلتها، تعتمد والدة فرح على لغة التواصل البصري وفهم تعابير الوجه ولغة العيون، وتُقرّ بأنّ هذا التواصل "يظلّ ناقصاً ومرهقاً جدّاً بالنسبة لفرح ولنا، لأنّها فقدت وسيلتها الأساسية للفهم". وتضيف: "من أصعب المواقف التي تواجهنا يومياً، عندما يناديها إخوتها للّعب أو أناديها لتناول الطعام، فلا تجيب، وعندما تلتفت إلينا، تنظر بعينين حائرتين من دون القدرة على فهم ما نقول". كما بات العناق والابتسامة لغة بديلة لتعويض غياب الصوت، إذ تستخدم والدة فرح مهارات المحاكاة والتمثيل لتبسيط الأمور، وشرح الصور والرسوم، آملةً أن يكون هذا الصمت مؤقتاً، وأن تستعيد طفلتها صوتها قريباً، لتخرج من عالمٍ حصرها بين جدران المنزل.
لا تقتصر المعاناة السمعية على سنّ الطفولة، بل تمتد إلى الفئات العمرية كافة، مثل حال الشقيقات الثلاث؛ سجود ياسر أبو عجوة (19 عاماً) وسجى (16 عاماً) وجنى (12 عاماً) اللّواتي كنّ يعانين إعاقاتٍ سمعيةً قبل الحرب، وتفاقمت حالتهنّ بعد الحرب. وتقول والدتهنّ لـ"العربي الجديد": "خضعت سجود لزراعة القوقعة، فيما رُكّبت لسجى سماعتان بسبب معاناتها من فقدان السمع الشديد قبل أن تتعطل السماعتان لاحقاً. أمّا جنى فتعاني فقداً أشدّ في السمع، وقد رُكّبت لها سماعتان، لكنّها تحتاج إلى زراعة قوقعة". وتتابع الوالدة: "أثّرت الحرب على بناتي الثلاث، حيث كنا نمر بظروف صعبة، فيما لم تكن هناك مؤسسات تنظر في حالاتهنّ. فقد بقيت إحداهنّ عاماً ونصف عام من دون القدرة على السمع، بسبب عدم خضوعها لزراعة القوقعة، فيما أمضت شقيقتاها أشهراً من دون سمعٍ نتيجة تعطل السماعات وفقدان البطاريات، وكان التواصل بيننا يقتصر على الإشارة وحركة الشفاه".
ويؤكد المتخصّص في علاج النطق والسمع فادي الهليس أن واقع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية صار أكثر صعوبة بعد الحرب، فإلى جانب التحديات التي كانوا يواجهونها سابقاً، باتوا يعانون صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والتأهيلية، فضلاً عن انقطاع المتابعة والعلاج، ونقص بطاريات السماعات وقطع الغيار، إضافة إلى الظروف النفسية والاقتصادية. ويقول الهليس لـ"العربي الجديد" إنّ "الأطفال فقدوا جزءاً مهماً من جلسات التأهيل والتدخل المبكر الذي قد يؤثر في تطور لغة التواصل لديهم، فضلاً عن محدودية إجراء عمليات زراعة القوقعة"، مؤكداً أنّ الحرب أدّت إلى ارتفاعٍ واضح في حالات فقدان السمع نتيجة الانفجارات وإصابات الرأس، وتمزق طبلة الأذن والتعرض المستمر للأصوات الشديدة. كما تُلاحَظ زيادة في حالات طنين الأذن وضعف السمع المفاجئ، إضافة إلى الأطفال الذين تأخروا في اكتساب اللغة بسبب انقطاع خدمات التأهيل.
ويلفت الهليس إلى أن أكثر ما يردهم هو شكاوى ضعف السمع وتعطل السماعات والحاجة إلى خدمات التقييم والتأهيل. ويضيف: "نعاني من نقص كبير في أجهزة تقييم السمع ومواد الفحص وقطع غيار السماعات والبطاريات ومحدودية الأجهزة التعويضية، كما أن خدمات التأهيل تعمل بإمكانات محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، أما زراعة القوقعة، فتواجه تحديات كبيرة، سواء من حيث إجراء العمليات أو متابعة المريض بعد الزراعة".


