«العُرمة».. جبل الآبار والقلاع


وفا – إلى الشرق من بلدة بيتا جنوب نابلس، على ارتفاع 850 مترا عن سطح البحر، تظهر بقايا قلعة قديمة، وخزانات مياه ضخمة محاطة بقاعدة دائرية، كشاهد على حضارات سالفة عاشت في المكان منذ قرون، وباتت اليوم سفيح ساخن، يلاطم فيه الكف المخرز.
ويطل الموقع الأثري على السلط الأردنية شرقا، وشاطئ البحر الأبيض المتوسط غربا، وعلى قرى جنوب وشرق محافظة نابلس، ويشكل شاهدا على فترة الحكم العثماني لفلسطين التي اتصفت بالقلاع والحصون المشيدة، وفق ما يوضح مدير بلدية بيتا عوض أبو عامر لـ"وفا".
ويشير أبو عامر، إلى أن الجبل يمتد على مسافة قرابة 250 دونما، ويكتسب أهمية استراتيجية للمناطق المطل عليها في حقب تاريخية مختلفة، حيث يرجح أنه يعود لفترة الحكم العثماني وربما ما سبقها من حضارات حكمت فلسطين، واستخدم كسجون للمعتقلين، ولاحقا زمن الانتداب البريطاني كذلك.
ويضم الموقع سبعة خزانات للمياه "صهاريج" ضخمة يصل سعة الواحد منها قرابة 1500 كوب من المياه، ويصل بينها قنوات مائية تعتمد على مياه الأمطار، وفق ما يوضح أبو عامر.
وذُكر جبل "العُرمة" في كتب تاريخية عديدة عن تاريخ فلسطين القديم، أبرزها كتاب مصطفى الدباغ "بلادنا فلسطين" الذي تحدث عن مكان الجبل وسبب التسمية، "خربة العُرْمَة في الشمال الشرقي من عقرباء، تقع على جبل العُرْمَة، وترتفع 843 عن سطح البحر، والعرمة، هي الكومة من القمح المدروس الذي لم يُذرَ، جمعها عُرَم".
وتحدث الباحث في شؤون التراث الفلسطيني حمزة العقرباوي لـ"وفا"، بأن جبل العرمة حسب التنقيب الأثري الذي جرى في الموقع بداية الستينات يشكل جبلا أثريا مهما، وهو مسكون من العصر البرونزي المتقدم، أي قبل قرابة 3200 سنة.
ويضيف أن "العُرمة" تعني بالعربية قومة القش، وأن قمة الجبل العليا هي قمة مضافة مبنية، وقيل في الموروث الشعبي البيتاوي عبارة تؤكد ذلك "عليوم يا العرمة المعرم تعريم، ولو أنك بحبثون".
ويؤكد العقرباوي أن الجبل يضم صهاريج مياه ومقابر في الجهة الشمالية، وعلى طرف الجبل الجنوبي يتواجد البرج اليوناني المبني من الحجر، وهو يشرف على المنطقة، وكان يشكل أهمية خلال الفترات اللاحقة، ويضم قنوات مياه تنقل المياه بين الصهاريج الغربية والشرقية، وأن الصهاريج الغربية أغلبها مفتوحة فيما الشرقية واحد منها فقط مفتوح.
وفي عام 2009 أجرى العقرباوي برفقة فريق، تصوير ومسح للمنطقة، اكتشف خلالها صهريج موصول بنفق إلى داخل الجبل وسردابين للجبل، وثلاث مقابر حجرية ودرج ومداخل متواجدة في المنطقة الشمالية للجبل.
ووفق العقرباوي، فإن الأهمية التاريخية لجبل العرمة حسب المؤرخين، كانت عندما شكلت مقاطعة "عقربتا" في العهد البيزنطي، حيث كان الجبل واحدا من أهم الحصون التي مهمتها الدفاع عن المنطقة ومراقبة الطريق وأي تحركات بالمنطقة، ويقابله جبل اسمه كركفا باتجاه أقصى الجنوب ذو قمة محصنة، وجبل آخر باتجاه الشرق "أبو الريسة" تحتوي قمته حصنا مهدوما.
لكن يعاني "العُرمة" كبقية المواقع الأثرية والدينية في فلسطين؛ التهديد المستمر من الأطماع الاستعمارية الإسرائيلية في السيطرة؛ تحت ذرائع وادعاءات باطلة، ازدادت حدتها بعد إعلان خطة ترمب، وفق ما يؤكد أبو عامر.
وشهدت الفترة الماضية دعوات استيطانية لتنظيم مسارات للمستوطنين لجبل "العرمة"، آخرها كان صباح اليوم الجمعة، لكن في ظل التحدي والإجراءات العملية التي تتخذها بلدية بيتا والوزارات المعنية لتثبيت الحق الفلسطيني في المكان، فشلت حتى اللحظة المخططات الاستيطانية.
ويؤكد العقرباوي، أن الاهتمام الصهيوني بجبل العرمة بدأ بوقت متأخر، كون البعثات الأثرية التي تحدثت عن التنقيب والمسح الأثري الذي أجراه الاحتلال لم يكن يشير إلى أهمية تاريخية للجبل.
ويتابع: لكن في إطار المشروع الاستيطاني في مستوطنة "ايتمار" والتوسع المجنون والسعي لخلق رواية جديدة وعمل البؤرة "777" نسبة لمقام النبي نون وارتفاعه عن البحر 770 متر بدأ الحديث عن جبل العرمة.
ويشدد العقرباوي على أن "جبل العرمة لم يكن في يوم من الأيام يتبع في الإطار التاريخي إلى السامرة، وأنه بحسب المؤرخين الذين كتبوا عن فلسطين في العهد الروماني لم يذكر الجبل كأحد المواقع التابعة للسامرة".
ويشير إلى أنه شرق الجبل على الطريق القديم بين العرمة وخربة مواسي، يوجد طريق شبيه بطريق العربات مرصوف بحجارة، وتقود بين العرمة وقلعة "هردوس" الموجودة على طريق بلدة عقربا.
وأدت المواجهات التي اندلعت اليوم الجمعة إلى إصابة 134 مواطنا، إحداها بالرصاص الحي بمنطقة الظهر، وإصابة بقنبلة غاز بالرأس، و3 إصابات سقوط وكسور، و76 إصابة بالغاز المسيل للدموع، و56 إصابة بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط إصابتين منهم بالرأس.
وفي الانتفاضة الأولى عام 1988، تمكن أهالي بلدة بيتا من إفشال مشروع استيطاني فوق قمة الجبل وكذلك الحال عام 2017، حيث تمكن أهالي المنطقة من التصدي لإقامة بؤرة استيطانية فوق جبل أبو صبيح القريب.
ورغم أن الموقع يقع في المنطقة المصنفة "ب"، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع الأهالي من الوصول للمنطقة أو استصلاح الأراضي في تلك المنطقة، وفق ما يؤكد أبو عامر.
وفي إطار سعي بلدية بيتا للحفاظ على المنطقة، افتتحت الأربعاء الماضي مشروع حديقة جبل العرمة الأثرية بحضور محافظ نابلس، ووزيرة السياحة والآثار، الذين أكدوا ضرورة الحفاظ على الأماكن الأثرية المعرضة للهجمة الاستيطانية وتعزيز صمود أهالي بيتا في أراضيهم المهددة بالمصادرة.
كما نفذت البلدية عدة مشاريع منها تأهيل الطرق، وإيصال الخدمات الى قمة الجبل من أجل حمايته، وتعزيز وجود المواطنين هناك، في ظل الاقتحامات المتكررة من قبل المستوطنين للموقع، والدعوات لاعتبار المنطقة أثرية وتاريخية يهودية، وضرورة إدراجها ضمن المسارات السياحية الاستيطانية بالضفة.