حكومة بينيت مسؤولة عن تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين

 كتب مدير الصندوق الجديد لإسرائيل ميكي غيتزن

ترجمة "جريدة الأيام " عن «هآرتس» تصاعُد العنف في «المناطق» ضد الفلسطينيين هو من سِمات الحكومة الحالية، وما من طريقة أُخرى لقول ذلك. هذه الحقيقة يجب أن تطرد النوم من أعين أعضاء الائتلاف الحالي، أو على الأقل من أعين الذين يعتبرون أنهم ينتمون إلى معسكر الوسط - اليسار. اقتحام القرى في جنوب الخليل وإقامة بؤر استيطانية جديدة وشرعنة بؤر قديمة والإعلان الأخير عن بناء آلاف الوحدات السكنية ما وراء الخط الأخضر كل هذا يجري خلال وجودهم في الحكم.

عندما نبّهت عدداً من أعضاء الائتلاف من ذلك استُقبلت بالتجاهل. هم يقولون نحن بالتأكيد نؤيد حل الدولتين، لكن في الظروف السياسية الحالية هذا غير ممكن، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً. كما لو أن هذا الواقع ظاهرة طبيعية وليس له علاقة بقرارات سياسية تتخذها القدس. لقد سمعت ردوداً مشابهة من شخصيات رفيعة المستوى تحتل مناصب عالية في «حكومة التغيير». تعكس هذه الردود نهجاً ونمط تفكير يميز جزءاً من هذا المعسكر. في أساس هذه الردود الافتراض أن موقفهم المعلن يتلخص في دعمهم المبدئي للعملية السياسية. كل النواحي الأُخرى لواقع الاحتلال: العنف، والانتهاكات، وعدم احترام حقوق الإنسان، والتعطيل المنهجي لحياة الفلسطينيين، هي «ظواهر ثانوية» أو «ظواهر طبيعية»، من الخطر سياسياً الوقوف ضدها.

هذا خطأ مزدوج. أولاً، إسرائيل مسؤولة عن مصير الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال. والجمود السياسي يجب ألا يكون ذريعة للاستمرار في انتهاك حقوق الإنسان، والعنف والنهب من طرف المستوطنين والدولة والجيش الإسرائيلي. إن المحافظة على سلطة القانون واحترام حقوق الإنسان يجب أن يكونا في مركز اهتمام ممثلي اليسار والوسط - اليسار في الكنيست وفي الحكومة. ثانياً، العالم لم يعد يتأثر بمشهد العملية السياسية. الوعود باستئناف المفاوضات، والمؤتمرات ولقاءات القمة الاحتفالية لا يمكنها أن تشكل بعد الآن ذريعة لاستمرار الواقع الذي لا يطاق في «المناطق». ما كان يصح في أيام «أوسلو» و»كامب ديفيد» و»أنابوليس» لم يعد يصح الآن.

نهج نتنياهو المستهتر إزاء العملية السلمية خلال الأعوام الـ 12 الأخيرة أدى إلى توقفها الكامل، وجعل المجتمع الدولي أكثر ذكاء وأقل سذاجة. اليمين الذي يبتهج لإزالة القضية الفلسطينية من جدول الأعمال هو على حق إلى حد ما: إذ يبدو أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، لا يعلق آمالاً كبيرة على الموضوع، والدليل أن تصريح رئيس الحكومة نفتالي بينيت في آب الماضي، والذي قال فيه إن الدولة الفلسطينية لن تقوم خلال ولايته، استُقبل بلا مبالاة أميركية لافتة. لكن هذا الانتصار باهظ الثمن لليمين: عدم الدفع قدماً بكل ما له علاقة بالعملية السياسية لا يعني إزالة الموضوع الفلسطيني من جدول الأعمال، بل معناه استبدال مسألة الاستقلال الفلسطيني بنقاش متزايد لانتهاكات حقوق الإنسان وسوء معاملة الفلسطينيين. ومن أجل تغيير هذا الواقع لسنا بحاجة إلى شريك، بل ببساطة إلى قرار إسرائيلي.

العمى المزمن لليمين ومعارضته الصارمة لأي حوار مع الفلسطينيين دفعا حكومات إسرائيل إلى تفضيل «حماس» على السلطة الفلسطينية، والعودة فقط إلى حضنها عندما تصبح غير ذات دلالة ولا تحظى بتأييد شعبي. هؤلاء الذين يتبجحون، اليوم، بتراجُع أهمية حل الدولتين يمكن أن يكتشفوا أنه حل محله ضغط لتحقيق مساواة الجميع في الحقوق ما بين النهر والبحر. الوسط - اليسار لم ينتهج بعد المعادلة المضادة: إذا كان العالم في الماضي وافق على غض النظر عن بعض المظاهر القبيحة للاحتلال ما دام هناك أفق سياسي يؤدي إلى انتهاء الاحتلال في تاريخ ما، فإن فرضية العمل البراغماتية اليوم هي: إذا كانت إسرائيل تتصرف كأن الاحتلال غير موقت فسيكون من الصعب بعد اليوم السكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية ونهب الفلسطينيين.

بالاستناد إلى منظمة «يش دين»، وقع ما لا يقل عن 26 هجوماً على الفلسطينيين من طرف مستوطنين خلال موسم الحصاد، الشهر الماضي. تمدُّد عنف سكان البؤر الاستيطانية إلى قرى جبل الخليل بات أمراً روتينياً، وحتى الأطفال من ذوي الثلاثة أعوام ليسوا بمنأى عنها. يتواصل بناء البؤر الاستيطانية وشرعنتها على يد الحكومة، ولا يزال السيف مسلطاً فوق رؤوس سكان حي الشيخ جرّاح وبطن الواد وخان الأحمر. إذا كان تصريح بينت بمثابة ضربة خفيفة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فلا يمكن قول ذلك عن إعلان وزير الدفاع، بني غانتس، تصنيف ست منظمات اجتماعية فلسطينية مدنية كتنظيمات «إرهابية».

هذه الأحداث تثير في العالم غضباً أكبر مما يثيره تصريح مصدر حكومي عن العملية السياسية. الانطباع السائد هو أن حكومة إسرائيل، سواء أكانت حكومة يسارية أو يمينية أو حكومة وسط، تستخف بوضع حقوق الإنسان للسكان الواقعين تحت سيطرتها. من الصعب القول إن هذا الاستنتاج خاطئ. وما لا يقل أهمية هو رد الجالية اليهودية، ليس هناك من سبيل للتوفيق بين وجهة النظر الليبرالية ليهود الولايات المتحدة، الذين يصبحون تقدميين أكثر فأكثر مع مرور الزمن، وبين الأفعال التي تجري أمام أنظارهم في الدولة التي يؤيدونها. والنتيجة التي لا مفر منها هي البعد والاغتراب.

لا يمكن تجاهُل ذلك أكثر. بحماية اعتبارات سياسية من جميع الأطراف، تكشف الحكومة الحالية ضعفاً غير مسبوق وتتجرأ على تجاوز خطوط حمر حتى نتنياهو تردد في اجتيازها. هذه الاعتبارات التي كان مصدرها الرغبة في الحؤول دون وقوع مواجهات داخلية والمحافظة على استقرار الحكومة حتى إقرار الميزانية، لا يمكن أن تبرر ما يجري على الأرض. القضاء على إرهاب المستوطنين المتطرفين واحترام حقوق كل مَن يعيش تحت السيطرة الإسرائيلية هما المهمتان الأساسيتان والأكثر إلحاحاً للحكومة الحالية. ورقة التين السياسية لا يمكنها بعد الآن ستر إخفاقات الاحتلال.